بسم الله الرحم الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا... والحمد لله رب العالمين.
تناولت فيما سبق كتاب " قوارب النجاة في حياة الدعاة" للكاتب فتحي يكن حفظه الله. تناول فيه ضرورة تحصين الداعية لنفسه من السقوط أو الإنحراف عن الطريق المستقيم.. وحدد في الكتاب –جزاه الله خيرا- نقاط يربي فيها الداعية نفسه وفصَّل قوارب تُنجي الداعية وتوصله لبر الأمان .

ثم تناولت كتابه " الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية " والذي لم يكن أقل قيمة عن سابقه , ففيه طرح أفكار تساعد الداعية كفرد لاستيعاب الناس بأمزجتهم المختلفة وأفكارهم المتشعبة لينجح في توصيل دعوته إلى الناس فكانت هذه هي مرحلة الاستيعاب الخارجي. ثم أنتقل إلى الاستيعاب الداخلي بين الجماعة التي تعمل في الحركة أو المنظمة الدعوية من إداريين ومشرفين وأعضاء, وسبل نجاح الحركة من خلال تفهم الإدارة للعاملين فيها و تنسيق العمل فيما بينهم وتوزيع المهامات والأعمال مع المتابعة المستمرة مع الأخذ بمبدأ التراحم فيما بينهم ووصولاً إلى القرارات الحازمة والصارمة ضد المتسيبين متى أقتضى الأمر لذلك...

أطرح اليوم كتاب " المتساقطون على طريق الدعوة كيف... ولماذا؟ وللكاتب نفسه.. أسئل الله لي ولكم كل الفائدة وبخالص دعائي لي ولكم أن يرزقنا الثبات الإخلاص ...

ظاهرة التساقط على طرق الدعوة ظاهرة عامة وخطيرة ومتكررة . وهي لذلك تستدعي التأمل والدراسة بعمق وتجرد وموضوعية لمعرفة أسبابها ومسبباتها, ولاستكشاف العوامل الحقيقية التي تقف وراءها..

والذي يتتبع تاريخ الحركة الإسلامية في كل قطر وعلى امتداد العالم الإسلامي يمر بأسماء كثيرة بلغ بعضها شأوأً في مجال العمل والمسؤولية, ثم لم يلبث أن اختفى من حياة الدعوة بشكل أو بآخر..

فمن هؤلاء من ترك الدعوة ولم يترك الإسلام.. ومنهم من ترك الدعوة والإسلام معا.. ومنهم من ترك الجماعة وأنشأ جماعة أخرى, أو التحق بجماعة أخرى..وهكذا تتكاثر وتتعدد ظواهر التساقط..

وفي أكثر الحالات والأحيان تصبح ظاهرة الانسلاخ والتساقط هذه عاملاً مساعداً على انتشار وشيوع ظاهرة مرضية أخرى هي ظاهرة التعددية في العمل الإسلامي وبالتالي سقوط العاملين والدعاة في حمأة الصراع على الساحة الإسلامية؟؟

فكم من أشخاص لم ينتهوا من حياة الدعوة إلا بعد أن أحدثوا فيها شروخات عميقة وواسعة.. وكم من آخرين خرجوا منها وأصبحوا حرباً عليها, بل وتآمروا عليها مع أعدائها..

وأذكر أن ركناً من أركان جماعة خرج من صفوفها على أثر خلاف معها, فأرغى وأزبد .. وهدد وتوعد, وأقسم ليهدمن بناءها حجراً على حجر..

إن القلة ممن إذا تساقطوا تساقطوا بهدوء ومن غير أن يثيروا وراءهم غباراً, في حين أن معظم أولئك يصطنعون كل المبررات لتغطية مسؤولياتهم هم عن الانشقاق والسقوط..

إن هذا الكتاب محاولة تعرض لهذه الظاهرة بشكل عام, وتتناول بعض أسبابها وخلفياتها.. فقد يكون السبب في الأشخاص, وقد تكون في الحركات, وقد تكون في الظروف.. ودراسة كل قضية في ضوء الجوانب الثلاثة مجتمعة, بعيدا عن الغلو والتطرف, وبشيء من التجرد يمكن أن يعيد كثيراً من الأمور إلى نصابها, وبالتالي يساعد على المعالجة ابتداءً وانتهاءً, وبالله المستعان, وعليه قصد الأمور.


• ظاهرة التساقط في عهد النبوة:

لم تبرز ظاهرة التساقط في عهد النبوة على نحو من بروزها في العصر الحديث..
وجل الذي كان يحدث في تلك المرحلة سقوط أشخاص في أخطاء, كان بعضها جسيماً بدون شك... وطبيعة العمل في تلك المرحلة والتي جعلت الناس أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: خيار الإسلام أ وخيار الجاهلية, كانت تحول – ولو خوفا من عقوبة الارتداد- دون الخروج على الصف الإسلامي..

أما اليوم, فلاعتبارات عديدة أهمها أن الحركة الإسلامية لا تعتبر هي جماعة المسلمين , بمعنى أن الخارج عليها خارج من الإسلام مرتد عن الدين, وإنما اعتبرت جماعة من المسلمين ليس إلا.. وبالتالي فإن المسلمين خارج إطارها التنظيمي لا يعتبرون مرتدين, وإنهم ماداموا كذلك , فإن الخروج عليها لا يعتبر ارتداداً عن الدين وإنما هو ارتداد عن الجماعة والتنظيم..
وهذا التصور لطبيعة موقع الحركة الإسلامية اليوم من المسلمين يساعد إلى حد كبير على التفلت من صفوفها حيث لا يشعر المتفلت أنه بعمله هذا قد ارتكب معصية وإثما... وقد يجد البعض تشجيعاً ودعماً بل إكباراً وإجلالاً في بعض الأوساط الإسلامية لما فعل.

( وفي عُجالة سأتناول من الكتاب بعض قصص المتساقطين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ففيها العبرة والعظة...)
فيوم تخلف النفر الثلاثة في غزوة تبوك. فكان عذرهم التهاون والتأخير في تجهيز متاعهم لخوض المعركة مع رسول الله حتى تحركت الجماعة دونهم. فكانت النتيجة أن قاطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاطعهم المسلمون جميعاً فنبذوهم ... إلى أن غفر الله لهم .

ويوم وقع حاطب بن أبي بلتعة فيما يعتبر اليوم كشفاً لأسرار الدولة وخيانة عظمى , فأرسل برسالة إلى قريش يحذرهم ما قد أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم. فكان عذره أن قال :" يا رسول الله , أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله, ماغيّرت ولا بدّلت, ولكني كنت أمرأً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة, وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل..." فاستمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" اعملوا ما شئتم , فقد غفرت لكم
ويوم أراد المنافقين من المسلمين أن يشقوا الصف الإسلامي , ويقيموا مسجداً ظاهره الرحمة وباطنه فيه المكر والضرار بالمسلمين, أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه...

هناك أمثلة كثيرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منها قصة أبي لبابة وحادثة الإفك.. وأمثلة عبر التاريخ كثيرة أيضاً منها قضية المرتدين والذين تمردوا على الخليفة عثمان ابن عفان رضي الله عنه)
تلك الأحداث تبين لنا أن حوادث التساقط في صدر الإسلام كانت محدودة, وكان أكثرها ينتهي بعودة أصحابها عن خطئهم ومبادرتهم إلى التوبة والإنابة من غير إصرار على موقف أو الاستمرار فيه... وكان يتجلى من خلالها صفاء السريرة وسلامة المقصد وأصالة المعدن... كما كان يظهر كذلك مظهر آخر من مظاهر العافية يتجلى في إنكار الجماعة المسلمة كلها لموقف الخارجين على الجماعة.... وفي هذا ما فيه من عقوبة رادعة ومانعة من انتشار الظاهرة.. ولو أن المتساقطين اليوم واجهوا نفس المصير الذي واجهه أمثالهم بالأمس لخجلوا من أنفسهم, ولأدركوا أنهم اجترحوا ذنباً ليس له من كفارة إلا التزام أمر الجماعة والسمع والطاعة فيها في المكره والمنشط.

ويتلازم مع هذه الظاهرة ويساعد عليها مرض عات وداء خبيث عضال, ذلك هو ضياع الوفاء وكفران العشير والتنكر للجميل.. والإملاء بالغل والحقد على المسلمين.. فإنه لا يكفي المنشقين أنهم انشقوا وتسببوا بشق الصف, وإنما قد يتحولون حرباً على إخوانهم يرمونهم بألسنةٍ حداد ولا يرعون فيه إلا ولا ذمة, وهذا من غير شك ليس من أخلاق وخصال الإسلام في شيء ..

والساحة الإسلامية المعاصرة شاهدت أنماطاً من الناس إذا اختلفت معهم في الرأي تحولوا وحوشاً كاسرة يمتلئون بالحقد وحب الانتقام..

فكم من إنسان دفعه خلافه مع جماعته إلى أن يشهر بها على صفحات الجرائد ومن على المنابر..
وكم من إنسان دفعه حقده إلى أن يتعاون مع أعداء الإسلام لينتقم من جماعته ويشفي غليله..

إن كل هذا وذاك إنما يكشف زيف الإنسان أحياناً وزيف انتمائه إلى الإسلام.. كما يطرح من جديد القضية الأساسية التي يجب أن تكون محل الاهتمام الأكبر ومناط التفكير الأول على الساحة الإسلامية, تلكم هي قضية التربية..
إن أكثر المشكلات والأزمات التي تعاني منها الساحة الإسلامية ويعاني منها العمل الإسلامي مصدرها سوء التربية وعدم الالتزام بشرع الله والوقوف عند حدوده..

فسوء الأمانة, وحب الزعامة, وقلة الوفاء, وكفران العشير, والنفعية والوصولية, والغيبة والنميمة, والبغضاء والحسد وإنكار الفضل, والإعجاب بالنفس, والتطرف والغلو, إلى ما لا نهاية له من أمراض وعلل تنتهش البنية الإسلامية وتشوهها وتسممها, إنما هي وليدة انحراف في التربية الإسلامية, وتشوه في الشخصية.

وهذا ما يؤكد ضرورة اهتمام الحركات الإسلامية بالجانب التربوي العقيدي والروحي والمسلكي, والحيلولة دون طغيان الجوانب الأخرى التنظيمية والسياسية والحركية على هذا الجانب لأنه بمثابة صمام الأمان في الشخصية, وجهاز التحكم فيها.

لقد منيت ساحة العمل الإسلامي بشخصيات ذاع صيتها وعمت شهرتها الآفاق, ثم تبين من خلال تعاملها اليومي أنها أبعد ما يكون عن الإسلام أخلاقاً وسلوكاً
.