دلائل النبوة









د. منقذ بن محمود السقار



مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد
فإن قاعدة الإسلام وأصلَه الشهادتان، شهادةُ أن لا إله إلا الله ، والشهادة بأن محمداً رسول الله، وهما مفتاح الجنة، وباب كل خير، وهما أجلُّ ما يدين المسلم به لربه، وأشرف ما يحمله إلى العالمين.
قال رسول الله r : ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاكٍ فيهما إلا دخل الجنة)) ، فالذي يؤمن بهاتين الشهادتين من غير شك ولا مرية يدخل الجنة.
ويخبر النبي r عن موعود آخر لهؤلاء المؤمنين ، ألا وهو الأمن من النار، قال r : ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبدُه ورسوله، إلا حرمَه الله على النار)).
ولذلك فإن المسلم حين يُعنى بالحديث عن نبوة النبي e ودلائلِها؛ فإنه يتحدث أو يسمع عن باب عظيم من أبواب الإسلام، عن الشق الثاني من الركن الأول للإسلام ، فهو يعيش في جنبات أشرف العلوم وأعظِمها.
وقد دعانا القرآن الكريم للتأمل في دلائل نبوته r في غير آية، منها قول الله تعالى: ]قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد [ (سبأ: 46).
إن المسلم حين يؤمن بنبوة النبي r إنما يؤمن بعقيدة راسخة رسوخَ الجبال الرواسي، ورسوها مصدره أنها عقيدة قامت على العلم والدليل والبرهان، إن حاله ليس كحال أولئك الذين قالوا: ] إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون[ (الزخرف: 23)، فهؤلاء أغلقوا عقولهم عن النظر في الحق ودلائل صدقه ، وصمّت عن سماعه آذانُهم، واكتَفوا بالقعود حيث تاهت عقول آبائهم الأولين، فأنكر القرآن عليهم هذا الجمود، وقبّحه ، ودعاهم لإعمال عقولهم والإفادة منها، فقال: ]قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون [ (يونس: 16).
ولسوف نعرض للأدلة التي تشهد بنبوة النبي r ، تثبيتاً لإيمان للمؤمنين، وخروجاً به من التقليد إلى البرهان والدليل، وهو أيضاً دعوة للبشرية التائهة عن معرفة نبينا r وجوانب العظمة في حياته ودعوته، دعوة لهم للتعرف على هذا النبي، والإيمان به نبياً ورسولاً.
ودلائل النبوة الشاهدةُ بنبوة نبينا e متنوعةٌ وكثيرة، ويجمعها أقسام ستة.
أولها : المعجزات الحسية التي صنعها النبي r كتكثير الطعام وشفاءِ المرضى وانشقاقِ القمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان يأتيهم بالآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم, ومعجزاته تزيد على ألف معجزة".
وقال ابن القيم بعد أن ذكر معجزات موسى وعيسى عليهما السلام : "وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين، مع بُعد العهد وتشتت شمل أمّتيْهما في الأرض، وانقطاع معجزاتهما، فما الظن بنبوة محمد e, ومعجزاتُه وآياتُه تزيد على الألف؟ والعهد بها قريب، وناقلوها أصدقُ الخلق وأبرُّهم، ونقلُها ثابت بالتواتر قرناً بعد قرن".
وثانيها : الدلائل المعنوية كاستجابة الله دعاءه، وعصمتِه له من القتل، وانتشارِ دينه عليه الصلاة والسلام، فهذا النوع من الدلائل يدل على تأييد الله له ومعيِته لشخصه ثم لدعوته ودينه، ولا يؤيد الله دعياً يفتري عليه الكذب بمثل هذا.
وثالثها : الغيوب التي أخبر عنها النبي e وتحققتْ حال حياته أو بعد وفاته كما أخبر عنها ، كما يشمل هذا النوع ما أخبر به من أنباء الأمم الماضية التي ما كان له أن يعرفها لولا إعلام الله له ] تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا [ (هود: 49) ومن هذا النوع أيضاً ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الإعجاز العلمي الذي شهد بصحته العلم التجريبي الحديث.
ورابع أنواع دلائل النبوة أخلاق النبي e وأحواله الشخصية الدالة على كماله ونبوته، إذ لم تجتمع فيه هذه الصفات وتلك الكمالات إلا من تأديب الله له، فقد أدّبه فأحسن تأديبه.
وخامس أنواع دلائل النبوة إخبار النبوات السابقة وتبشيرها بمقدمه e، فهو النبي الذي أخذ الله الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه حال بعثته : } وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين { (آل عمران: 81).
وأما سادس أنواع دلائل، فهو أعظمُها وأدومُها، إنه القرآن الكريم معجزة الله التي لا تبليها السُنونُ ولا القرون، هذا الكتاب معجزة خالدة ودليل باهر بما أودعه الله من أنواع الإعجاز العلمي والتشريعي والبياني، وغيرِها من وجوه الإعجاز، يقول رسول الله r : ((ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحياً أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة)).
وما نعرض للحديث عنه من دلائل النبوة في بحثنا؛ أقتصر فيه على الصحيح الذي روي وفق شروط المحدثين، وأغمض القلم عن الضعيف والغريب الذي أثقل كتب السير والدلائل المختلفة.
ولست أزعم أني استوفيت هذه الدلائل، بل قد صح عندي منها ما تركته لشهرته أو لغيره من الأسباب، كما تغافلت عن كثير من وجوه الإعجاز كالعلمي والبياني، تاركاً ذلك لأهل الاختصاص، وفي كل ذلك أبذل وسعي آملاً من الله التوفيق والسداد.
د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة – ذو الحجة - 1426هـ
mongiz@maktoob.com
أولاً: الإخبار بكيفية وفاة بعض أصحابه وأهل بيته
كتب الله الموت على بني آدم ، فالموت خاتمة كل حي، ولكل أجل كتاب، واختص الجبار تبارك وتعالى نفسَه بمعرفة أعمار البشر وأماكن قبض آجالهم، فلا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت ] إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير[ (لقمان: 34).
وقد أطلع الله أنبياءه على بعض غيبه، ومن ذلك أنه أعلم نبيه e بزمان أو كيفية موت بعض أصحابه وأهل بيته، كذلك بعض أعدائه، فأخبر به r، ووقوعُ ما أخبر به شاهدٌ على نبوته ودليل على رسالته، إذ هو علم لا يمكن لأحد معرفتُه ولا التنبؤ به إلا من قِبلِ اللهِ علامِ الغيوب.
وأول ما نسوقه من هذه الأنباء الباهرة؛ إخبارُه r عن شهادة عمرَ وعثمانَ وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، فقد أخبر أن موتهم سيكون شهادة، وأنهم لن يموتوا على فُرُشِهم أو سواه مما يموت به الناس.
يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله r كان على حراءٍ هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليُ وطلحةُ والزبيرُ، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله r: ((اهدأ، فما عليك إلا نبيٌ أو صديقٌ أو شهيد)). فشهد r لنفسه بالنبوة، ولأبي بكر بالصديقية، ولعثمانَ وعليَ وطلحةَ بالشهادة ، وهو أمر غيب لا يعلمه أحد إلا الله تبارك وتعالى.
قال النووي: " وفي هذا الحديث معجزاتٌ لرسول اللّه r : منها إخبارُه أنّ هؤلاء شهداء , وماتوا كلٌّهم غيرَ النّبيّ r وأبي بكر شهداء ; فإنّ عمرَ وعثمان وعليّاً وطلحة والزّبير رضي اللّه عنهم قُتلوا ظلماً شهداء ; فقتلُ الثّلاثةِ (أي عمر وعثمان وعلي) مشهور , وقُتلَ الزّبير بوادي السّباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال, وكذلك طلحة، اعتزل النّاس تاركاَ للقتال , فأصابه سهم، فقتله , وقد ثبت أنّ من قُتل ظلماً فهو شهيدٌ ".
وقد بشّر النبي r عُمراً بالشهادة في حديث آخر يرويه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأى النبي r على عمر ثوباً أبيضَ فقال: ((أجديدٌ ثُوبُك أم غسيل؟)) قال: لا، بل غسيلٌ . فقال النبي r: ((اِلبس جديداً، وعِش حميداً، ومُت شهيداً)).
وكان كما قال عليه الصلاة والسلام، فقد قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو قائم يصلي الصبح إماماً بالمسلمين في مسجد النبي r سنة ثلاث وعشرين للهجرة النبوية، ليكون مقتله رضي الله عنه مصداقاً لنبوءة النبي r وعلامةً من علامات نبوته ورسالته.
وكما أخبر النبي r عثمانَ بشهادته، فقد أخبره أنها ستكون في فتنة طلب منه أن يصبر عليها، فقد صح في حديث البخاري أن أبا موسى الأشعري جلس مع النبي r على بئر أريس في حائط من حيطان المدينة .
يقول أبو موسى : فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمانُ بن عفان. فقلت: على رسْلك، فجئت إلى رسول الله r فأخبرته، فقال: ((ائذن له ، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)).
يقول أبو موسى: فجئتُه، فقلت له: ادخل، وبشّرك رسول الله r بالجنة على بلوى تصيبُك.
وفي رواية أخرى للبخاري أن عثمان (حمِد الله ، ثم قال: اللهُ المستعان). أي حمِد الله على بشارة النبي له بالجنة، وطلب من الله العون على بلائه حين تصيبه الشهادة.
وثالث المبشرين بالجنة في قوله r : ((اهدأ، فما عليك إلا نبيٌ أو صديق أو شهيد)). هو علي رضي الله عنه ، أبو السبطين ، وقد أنبأه رسول الله بأن الأشقى (أي ابن ملجِم) سيقتله بضربة في صدغيه.
يروي الحاكم والطبراني يإسناد حسن أن علياً مرِض مرضاً شديداً ، فزاره أبو سنان الدؤلي، فقال له: لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه.
فقال له علي: لكني والله ما تخوفتُ على نفسي منه، لأني سمعتُ رسولَ الله r الصادقَ المصدوقَ يقول: ((إنك ستُضرب ضربةً ها هنا وضربةً ها هنا، وأشار إلى صُدغَيه فيسيل دمها حتى تختضب لحيتُك، ويكونَ صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود)).
لقد أخبر النبي r علياً بشهادته، وأنبأه بصفة مقتله، ولذلك فما كان يخاف على نفسه الهلكة في مرضه، فلسان حاله يردد ما قاله عبد الله بن رواحة t:
وفينا رسول الله يتـلو كتابَـه إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا بـه موقـنات أن ما قـال واقـع
روى الشيخان في صحيحيهما عن أمِنا، أمِ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي فقال النبي r: ((مرحباً بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم أسر إليهاً حديثاً، فبكت، ثم أسر إليها حديثاً فضحكت.
فقالت لها عائشة: ما رأيتُ كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتُها عما قال؟ فقالت: ما كنت لأُفشي سر رسول الله r .
فلما قبض النبي r سألتُها، فقالت: أسر إلي: ((إن جبريل كان يعارضني القرآن كلَ سنة مرة ، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أولُ أهلِ بيتي لحاقاً بي، فبكيتُ، فقال r: أما ترضَينَ أن تكوني سيدةَ نساء أهل الجنة أو نساءِ المؤمنين))، فضحكت لذلك.
وفي رواية أخرى للشيخين قالت: (فأخبرني أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني، فأخبرني أني أولُ أهلِ بيته أتبعُه، فضحكت).
وفي هذا الحديث يخبر النبي r بثلاث غيوب، أولُها اقترابُ أجله، وقد مات عليه الصلاة والسلام في تلك السنة.
وثانيها: إخبارُه ببقاء فاطمة بعده، وأنها أولُ أهل بيته وفاة. وقد توفيت بعده r بستة أشهر فقط، فكانت أولَ أهل بيته وفاة.
وثالثها : أنها سيدةُ نساء أهل الجنة، رضي الله عنها.
قال النووي: " هذه معجزة ظاهرة له r , بل معجزتان , فأخبر ببقائها بعده , وبأنها أول أهله لحاقًا به , ووقع كذلك , وضحكت سرورًا بسرعة لحاقها".
وأيضاً، فإن من دلائل نبوته وأعلام صدقه r إخبارُه أمَ المؤمنين ميمونةَ أنها لا تموت في مكة، فقد مرضت ميمونة في مكة، واشتد عليها المرض، فقالت لمن عندَها: أخرجوني من مكة، فإني لا أموتُ بها، إن رسول الله r أخبرني أني لا أموت بمكة.
قال: فحملوها حتى أتوا بها سَرِف، إلى الشجرة التي بنى بها رسول الله r تحتها في موضع الفَيئة . فماتت هناك ودفنت، فكانت وفاتُها خارجاً عن مكة كما أخبر الذي لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي عليهِ يوحى، من لدنِ شديدِ القُوى.
ويروي الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن أن أم ورقةَ بنتَ عبد الله بن الحارث كان رسول الله r يزورها كل جمعة، وكان يقول: ((انطلقوا نزور الشهيدة)).
وذلك أنها قالت: يا نبي الله، أتأذنُ فأخرجُ معك، أمرّضُ مرضاكم، وأداوي جرحاكم، لعل الله يُهدي لي شهادة. قال: ((قَري، فإن الله عز وجل يُهدي لك شهادة)).
وقد أدركتها الشهادة زمن عمر t ، وكانت أعتقت جارية لها وغلاماً عن دُبرُ منها (أي يُعتقان بعد وفاتها) فطال عليهما، فغمّاها (أي خنقاها) في القطيفة حتى ماتت. فكانت وفاتُها شهادة كما أخبر النبي r، ولنا أن نسأل كيف للنبي r أن يجزم بوفاتها قِتلة دون سائر الميتات، إنه دليلٌ آخرُ من دلائل نبوته وآيات رسالته.
ويغدو النبي r إلى تبوك، ويتأخر عن الجيش أبو ذر لبطئ بعيره، فيتركه، ويحمل متاعه على ظهره، ليلحق بالنبي r في تبوك.
وفيما المسلمون يتفقدون من تخلف عنهم، لاح في الأفق سواد رجل يمشي وحده، قالوا: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله r : ((كن أبا ذر))، فلما تأمله الصحابة، قالوا : يا رسول الله، هو واللهِ أبو ذر.
فقال رسول الله r : ((رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)).
لقد عرَف النبي r شخص أبي ذر قبل وصوله إليهم بما أعلمه الله، كما تنبأ r بأن أبا ذر، كما هو الآن يمشي وحده بعيداً عن أصحابه ، فإنه سيموت وحده بعيداً عنهم، ثم يبعث من ذلك المكان وحده.
وتمضي الأيام لتحقق نبوءة النبي r ، فتدرك الوفاةُ أبا ذر في الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامَه: إذا مِت فاغسلاني وكفّناني، ثم احملاني، فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم، فقولوا: هذا أبو ذر.
فلما مات فعلوا به كذلك ، فاطلع ركب من أهل الكوفة، وفيهم ابن مسعود، فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره (أي من إسراعهم إليه).
فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي، ويقول: صدق رسول الله r ((يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)) فنزل ابن مسعود فولِيَه. (أي تولى دفنه). رضي الله عنهما.
وفي رواية عند أحمدَ وغيرِه أن أم ذر بكت لما حضرته الوفاة، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: وما لي لا أبكي، وأنت تموت بفلاة من الأرض، ولا يدَ لي بدفنك، وليس عندي ثوب يسعُك، فأكفِنك فيه.
قال: فلا تبك وأبشري، فإني سمعت رسول الله r يقول لنفر من أصحابه وأنا فيهم: ((ليموتَن رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المؤمنين))، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإني أنا الذي أموت بفلاة ، والله ما كذَبت ولا كذِبت.
لقد بشرها رضي الله عنه بمقدَم من يعينها على دفنه، لأن النبي r قال متنبئاً عن ذلك الذي يموت بفلاة بأنه ((يشهده عصابة من المؤمنين)).
وقد جزم أبو ذر أنه ذلك الرجل ، لأن الباقين ممن شهدوا هذا القول، ما منهم واحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، ولم يبق إلا أبو ذر ، وهو الذي حقق ما أخبر عنه محمد r.
فمن ذا الذي أخبر محمداً r بموت أبي ذر وحيداً؟ ومن الذي أخبره بمقدم جماعة من المؤمنين يتولون تجهيزه ودفنه. إنه عالم الغيب والشهادة العليم الخبير.
من هؤلاء الذين تحدث النبي r عن وفاتهم، الحسين بن علي ريحانة أهل الجنة، إذ يروي الإمام أحمد وغيرُه أن النبي r قال لإحدى أزواجه: ((لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل عليَّ قبلًها فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: فأخرج تربة حمراء)). فمن أدرى نبيه r بأن الحسين مقتول، ومن الذي أراه تربة مقتله؟ إنه الله العليم بكل شيء.
ومن دلائل نبوته r إخبارُه عن موت النجاشي في أرض الحبشة في يوم وفاته، وهذا خبر تحمله الركبان في شهر يومذاك ، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r (نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، خرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعاً).
قال المباركفوري: "وفيه عَلمٌ من أعلام النبوة لأنه r أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه، مع بُعدِ ما بين أرض الحبشة والمدينة ".
ولله درحسان بن ثابت إذ يقول عن خليله e:
نبيٌ يرى ما لا يرى الناسُ حولَه ويتلو كتابَ الله في كل مشهد
فإن قال في يومٍ مقالةَ غائبٍ فتصديقُها في ضحوة اليومِ أو غد
ثانياً : إخباره بمصارع أعدائه
ومن دلائل نبوته وأمارات رسالته e ما أخبر منه من أخبار أعدائه وكيفية مصرعهم، وهو علم لا يعرفه النبي من تلقاء نفسه، لأن النبي كسائر البشر لا يعلم الغيب } قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملكٌ { (الأنعام: 50)، } قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون { (الأعراف: 188).
فقد تنبأ r بهلاك عمه أبي لهب وزوجِه على الكفر، حين أخبر - فيما نقله عن ربه - ببقائهما على الكفر وهلاكهما على ذلك، قال تعالى: } تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ % مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ % سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ % وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ% فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ { (المسد: 1-5)، فكيف جزم النبي e بضلال عمه، وهو أقرب الناس إليه، ومَظِنة الميل إليه؟ هل كان ذلك إلا بإعلام الله له.
قال ابن كثير: " قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة فإنه منذ نزل قوله تعالى : } سيصلى نارا ذات لهب % وامرأته حمالة الحطب % في جيدها حبل من مسد { فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يُقيَضْ لهما أن يؤمنا، ولا واحدٌ منهما، لا باطناً ولا ظاهراً، لا مُسِراً ولا معلناً، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة".
كما أخبر r بقتل المسلمين لأمية بن خلف ، وهذا متضمن شهادة له بأنه يموت على الكفر، وتفصيل ذلك أن سعد بن معاذ كان صديقاً لأمية ، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرَّ بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله e المدينة؛ انطلق سعد معتمراً، فنزل على أمية بمكة ...(فتحاورا) فقال سعد: يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله e يقول: ((إنهم قاتلوك)). فقال أمية: بمكة؟ قال سعد: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعاً شديداً.
فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمداً أخبرهم أنهم قاتلي، فقلتُ له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة.
فلما كان يومُ بدر؛ استنفر أبو جهلٍ الناسَ، قال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناس قد تخلفتَ وأنت سيد أهل الوادي؛ تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل، حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله لأشترين أجود بعير بمكة.
ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيتَ ما قال لك أخوك اليثربي!؟ قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً.
فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلاً إلا عَقَل بعيرَه، فلم يزل بذلك، حتى قتله الله عز وجل ببدر".
والعجب كل العجب من يقين أمية بتحقق موعده r وفرقه من ذلك ] فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ (الأنعام: 33).
قال ابن حجر: "وفي الحديث معجزات للنبي e ظاهرة، وما كان عليه سعد بن معاذ من قوة النفس واليقين".
ومن أخبار الغيب التي أخبر بها النبي إخباره عن سوء خاتمة رجل قاتل مع المسلمين فأحسن البلاء، يقول أبو هريرة t : شهدنا مع رسول الله e فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: (( هذا من أهل النار)).
يقول أبو هريرة: فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلتَ له: إنه من أهل النار؛ فإنه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً، وقد مات! فقال النبي e : ((إلى النار)) قال أبو هريرة: فكاد بعض الناس أن يرتاب.
فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحاً شديداً، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأُخبر النبي e بذلك، فقال: ((الله أكبر، أشهد أني عبدُ الله ورسولُه)) ثم أمر بلالاً فنادى بالناس: ((إنه لا يدخلُ الجنة إلا نفسٌ مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجلِ الفاجر)).
وروى الشيخان من حديث سهل بن سعد الساعدي t نحواً من هذه القصة ، وهي قصة رجل يدعى قزمان، حيث ذكر أن المسلمين اقتتلوا مع المشركون , وفي أصحاب رسول الله e قزمان لا يدع لهم شاذّة ولا فاذّة إلا اتّبَعها يضربها بسيفه, فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان (أي قزمان). فقال رسول الله e: ((أما إنه من أهل النار))، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه.
قال سهل: فخرج معه، كلما وقف وقف معه, وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع سيفَه بالأرض، وذُبابَه بين ثدييه ، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه.
فخرج الرجل الذي يتابعه إلى رسول الله e فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال e: ((وما ذاك؟)) فأخبره بخبر الرجل، فقال رسول الله e عند ذلك: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة - فيما يبدو للناس - وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار - فيما يبدو للناس - وهو من أهل الجنة)).
قال ابن حجر: "في الحديث إخباره e بالمغيبات، وذلك من معجزاته الظاهرة".
ويروي الإمام مسلم إخباره r عن موت منافق من المنافقين، وقد عرف ذلك r لهبوب ريح شديدة ، فبينما هو r وأصحابه قادمون من سفر؛ هاجت ريحٌ شديدة، تكاد أن تدفن الراكب، فقال رسول الله e: ((بُعِثَت هذه الريح لموت منافق))، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات.
قال النووي عن هذه الريح: "أي عقوبةً له، وعلامةً لموته وراحةِ البلاد والعباد به".
وفي اليوم السابق ليوم بدر بدر، جعل رسول الله يتفقد أرض المعركة المرتقبة، ويشير إلى مواضع مقتل المشركين فيها، ويقول : ((هذا مصرع فلان)) قال أنس: ويضع يده على الأرض هاهنا هاهنا. قال أنس: فما ماطَ أحدهم عن موضع يد رسول الله r.
وقد عدّ النووي هذا الحديث من أعلام النّبوّة ومعجزاتها، وذلك لإنبائه r بمصرع جبابرتهم , وتحديده أماكنَه، وقد وقع كما أخبر r .
وهذه الأخبار المتواترة في معناها دليل على نبوة النبي r وأنه مؤيد ببعض علم الغيب من ربه ] عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً _ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً _ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً [ (الجن: 26-28).

ثالثاً : إخباره e بأخبار الفتن
وإن مما أخبر عنه e ؛ أخبار الفتن التي وقعت بين أصحابه بعد وفاته e، فكان إخباره بذلك دليل نبوته ورسالته.
وقد أشرفَ النبي e يوماً على أُطم من آطام المدينة فقال لأصحابه: ((هل ترون ما أرى؟)) قالوا: لا، قال: ((فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر)).
قال النووي:."والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم، أي: إنها كثيرة، وتعُمُّ الناس، لا تختص بها طائفة، وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم، كوقعة الجمل وصفين والحرة، ومقتلِ عثمان، ومقتلِ الحسين رضي الله عنهما وغيرِ ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له e".
ويبين ابن حجر معنى اختصاص المدينة بالفتن، فيقول: "وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان t كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك، أو عن شيء تولد عنه ".
وكما أنبأ النبي بوقوع فتنة قتل عثمان في المدينة المنورة، فإنه أشار إلى ما سيقع من الفتن في العراق أو بسبب أهلها ، فقال e وهو يشير إلى المشرق: ((الفتنة من ها هنا)).
قال ابن حجر في شرحه: "وأول الفتن كان منبعها من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة".
وإن أول الفتن التي ابتلي بها الصحابة رضي الله عنهم خروج المنافقين على عثمان بن عفان t وطلب نزعه من الخلافة ثم قتله t، وقد أخبر النبي عثمان ببعض معالم هذه الفتنة فقال له: ((يا عثمانُ، إنه لعل الله يقمّصُك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم )).، لقد أنبأه رسول الله r أن شهادتَه بلاءٌ يصيبه ، وها هو ينبئه عن خلافته، وأن ثمةَ من يريد خلعَه من هذه الخلافة، فطلب منه النبي r عدم موافقتهم عليه، وكل ذلك من اخبار الغيب الصادقة الدالة على نبوته r.
قال المباركفوري: "يعني إن قصدوا عزلك عن الخلافة، فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم لكونك على الحقّ، وكونهم على الباطل , فلهذا الحديث كان عُثمانُ t ما عزل نفسهُ حين حاصرُوهُ يوم الدّار ".
ووصف النبي e بدقة معالم هذه الفتن التي تتابعت بعد مقتله، وكأنه e يراها ، وفي مقدمتها الفتنة الكبرى التي اقتتل فيها الصحابة في معركتي الجمل وصفين، وذلك بعد وفاته بثلاثين سنة، فيقول: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان، دعواهما واحدة)).
قال ابن كثير: " وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل وأصحاب صفين، فإنهما جميعاً يدعون إلى الإسلام، وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة".
قال ابن حجر: " قوله: ((دعواهما واحدة )) أي دينهما واحد، لأن كلا منهما كان يتسمى بالإسلام , أو المراد أن كلا منهما كان يدعي أنه المحق ".
وكون دعوى الطائفتين واحدة لا يمنع أن الحق مع إحداهما دون الأخرى ، وقد أوضحه r فشهد بأنه مع الطائفة التي تقاتل فرقة مارقة تخرج بين المسلمين يومئذ، قال رسول الله e : ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق)). فكان ذلك شهادة بالغة بأن الحق مع علي وأصحابه، لقتالهم لمارقي الخوارج في وقعة النهروان.
قَالَ القرطبي: "وفي هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع".
وكان e قد تنبأ بظهور الخوارج، وحدد صفاتهم وسماتهم، لما جاءه أولُهم ذو الخويصرة متهماً النبي e بالظلم في قسمة الغنائم قال: ((إن له أصحاباً، يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... آيتهم رجلٌ أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثلُ البضعة تدردر، ويخرجون على خير فرقةٍ من الناس)).
قال أبو سعيد الخدري: (أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله e, وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمِس، فأتي به حين نظرت إليه على نعت النبي e الذي نعته).
قال النووي: "وفي هذا الحديث معجزات ظاهرة لرسول الله e، فإنه أخبر بهذا، وجرى كله كفلق الصبح، ويتضمن بقاء الأمة بعده e، وأن لهم شوكة وقوة، خلاف ما كان المبطلون يشيعونه، وإنهم يفترقون فرقتين، وأنه يخرج عليه طائفة مارقة، وأنهم يشددون في الدين في غير موضع التشديد, ويبالغون في الصلاة والقراءة, ولا يقيمون بحقوق الإسلام، بل يمرقون منه, وأنهم يقاتلون أهل الحق, وأن أهل الحق يقتلونهم، وأن فيهم رجلاً صفة يده كذا وكذا، فهذه أنواع من المعجزات جرت كلها، ولله الحمد".
وثمة ميزان آخر للفتنة، إنه عمار بن ياسر ، رآه النبي e عند بناء مسجده r يحمل لبِنَتين لبنتين فيما كان الصحابة يحملون لبِنة لبِنة، فجعل e ينفض التراب عنه، ويقول: ((ويح عمار، تقتلُه الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار))، قال أبو سعيد: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
قال النووي في شرحه للحديث : " وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله r من أوجه : منها أن عمارًا يموت قتيلًا , وأنه يقتله مسلمون , وأنهم بغاةٌ , وأن الصحابة يقاتِلون , وأنهم يكونون فِرقتين : باغية , وغيرها, وكل هذا قد وقع مثل فلق الصبح , صلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى".
وقال ابن عبد البر : "وتواترت الآثار عن النبي r أنه قال: ((تقتل عمارَ الفئةُ الباغية))، وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته r ، وهو من أصح الأحاديث".
وقد قتِل عمارُ في جيش علي سنة سبع وثلاثين للهجرة النبوية، فكان دليلاً آخر على صحة موقف علي t، وهو أيضاً دليل على صحة نبوة نبينا e، وإلا فمن ذا الذي أخبر النبي r بما يقع بعد وفاته من تمايز المسلمين إلى فئتين ، وأن الباغية منهما تقتل عماراً؟ لا ريب أنه وحي الله الذي يعلم السر وأخفى.
ومما أخبر به النبي e من أخبار الفتن إخباره عن خروج إحدى أزواجه على جمل، وأنه يقتل حولها كثير من المسلمين، وعن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله e: ((أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت)).
وقد تحققت نبوءته r حين سارت عائشة رضي الله عنها جهة البصرة قبيل وقعة الجمل، فلما بلغت مياه بني عامر نبحت الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال لها الزبير: بل تقدمين، فيراك المسلمون، فيصلح الله عز وجل بينهم، قالت: إن رسول الله e قال لي ذات يوم: ((كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب)). فتحقق ما أخبرها به النبي e بعد وفاته بخمس وعشرين سنة ليكون إنباؤه دليل صدقه وبرهان نبوته.
وكما أخبر e عن الفتن فإنه أنبأ عن التئام شمل المسلمين على يد الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين ، يقول أبو بكرة t: بينا النبي e يخطب؛ جاء الحسن، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ابني هذا سيد, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)).
وقد كان كما أخبر e ، فقد تنازل الحسن لمعاوية عن الملك عام أربعينَ من الهجرة، فسمي عامَ الجماعة لاجتماع المسلمين فيه على خليفة واحد بعد طول فرقة واختلاف.
قال ابن حجر: "وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي؛ فإنه ترك الملك، لا لقلة ، ولا لذلة، ولا لعلة, بل لرغبته فيما عند الله ، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة ".
وفي ذلك كله شهادات تترى على نبوة النبي r الذي خصه الله بهذه الأخبار من غيبه، فتحققت، لأنه r
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا بـه موقـنات أن ما قـال واقـع



رابعاً : إخباره بغيوب تحققت في حياته
والغيوب التي اخبر بها r على ضروب، فمنها ماتحقق حال حياته r، ومنها بعده ، ومنها ما يكون قريباً من الساعة، وفي كل ذلك دلائل على نبوته ورسالته.
من الغيوب التي تنبأ بها r ووقعت حال حياته خبر الريح؛ وذلك أنه انطلق r وأصحابُه إلى تبوك فقال: ((ستهبُّ عليكم الليلة ريحٌ شديدة، فلا يقُمْ فيها أحدٌ منكم، فمن كان له بعيرٌ فليشُدَّ عِقاله)).
قال أبو حميد t (راوي الحديث): فهبَّت ريحٌ شديدة، فقام رجلٌ، فحملته الريح، فألقته بجبلي طيء. فمن الذي أخبر النبي e بهبوب هذه الريح؟ إنه الله الذي لا تغيب عنه غائبة.
قال النووي: "هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة؛ من إخبارِه عليه الصلاة والسلام بالمغيَّب، وخوفِ الضرر من القيام وقت الريح .. وفيه ما كان عليه e من الشفقة على أمته , والرحمةِ لهم , والاعتناءِ بمصالحهم , وتحذيرِهم ما يضرُّهم في دين أو دنيا".
ومن صور الوحي إلى الأنبياء ما يرونه من رؤى لا ينفث فيها شيطان ، بل هي بعض وحي الرحمن، فقد رأى e قبيل غزوة أُحد أن المدينة حصن له لو تحصن فيها، وأن سيفه يثلم، وأن بقراً حوله يذبح، فأخبر أصحابه برؤياه فقال: ((رأيت في سيفي ذي الفَقَار فَلّاً، فأولتُه فلّاً يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشاً، فأوَّلتُه كبشَ الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأوَّلتُها المدينة، ورأيت بقراً تذبح، فبقرٌ واللهِ خيرٌ، فبقرٌ واللهِ خيرٌ))، قال ابن عباس: فكان الذي قال رسولُ الله e.
وقد فسر النبي e هذه الرؤيا في حديث يرويه البخاري ، فقال: ((رأيتُ في رؤياي أني هززتُ سيفاً فانقطع صدرُه، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحد، ثم هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيتُ فيها بقراً، واللهِ خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد)).
ومن إخباره العجيب r تنبؤه بهزيمة الفرس وغلب الروم، في وقت كادت دولة الفرس أن تزيل الإمبرطورية الرومانية من خارطة الدنيا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان.
سنواتٌ معدودة تمكن فيها جيش الفرس من السيطرة على بلاد الشام وبعض مصر، واحتلت جيوشهم أنطاكيا شمالاً، مما آذن بنهاية وشيكة للإمبرطورية الرومانية.
وأمام هذا الطوفان الفارسي أراد هرقل ملك الروم أن يهرب من عاصمة ملكه القسطنطينية، كاد أن يفعل لولا أن كبير أساقفة الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس.
ووسط هذه الأحداث، وخلافاً لكل التوقعات أعلن النبي e في أجواء مكة المتربصة به وبدعوته أن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي فيما لا يزيد عن تسع سنين، فقد نزل عليه قوله: ]غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون * بنصر الله[ (الروم: 2-5).
يقول المؤرخ إدوار جِبن في كتابه "تاريخ سقوط وانحدار الإمبراطورية الرومانية": "في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءةٍ أبعدَ منها وقوعاً، لأن السنين العشر الأولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاء الإمبرطورية الرومانية".
لقد كان النبي r يتنبأ بانتصار المهزوم الذي يكاد يستسلم لخصمه، ويحدد موعداً دقيقاً لهذا النصر الذي ما من شيء أبعد في تحققه منه.
وتناقلت قريش هذه النبوءة الغريبة التي خالفت أهواءهم التي مالت إلى جانب الفرس إخوانِهم في الوثنية، بينما أحب المسلمون انتصار الروم لما هم عليه من الكتاب، واستبشروا بالخبر.
يروي الترمذي بإسناده عن ابن عباس قال: (كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهلُ أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهلُ كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله e قال: أما إنهم سيغلبون.
فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا [أي بدوام انتصار الفرس] كان لنا كذا وكذا [أي من الرهن]، وإن ظهرتم [أي بانتصار الروم] كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهر الروم [أي في هذه السنينِ الخمس].
فذكروا ذلك للنبي r فقال: ألا جعلته إلى دون العشر [أي طلب منه زيادة الأجل إلى تسع سنين، لأن البضع في لغة العرب مادون العشر]، والله قد وعد بظفر الروم في بضع سنين.
قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر.
قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى: ]غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين [.
لقد كان الأمر كما تنبأ عليه الصلاة والسلام، ففي عام 623م وما بعدها استطاع هرقل أن يتخلص من لهوه ومجونه، وشن ثلاث حملات ناجحة أخرجت الفرس من بلاد الرومان.
وفي عام 626م واصل الرومان زحفهم حتى وصلوا إلى ضفاف دجلة داخل حدود الدولة الفارسية، واضطر الفرس لطلب الصلح مع الرومان بعد هزيمتهم في معركة نينوى، وأعادوا لهم الصليب المقدس – عندهم - وكان قد وقع بأيديهم، فمن ذا الذي أخبر محمداً r بهذه النبوءة العظيمة؟ إنه وحي الله، وهو دليل رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام.
ولو تأملنا قوله تعالى: ]غلبت الروم * في أدنى الأرض [ لوقفنا على برهان آخر من براهين نبوته r، لأن قوله تعالى: ] في أدنى الأرض [ يشير إلى حقيقة علمية كشف عنها العلم الحديث، وهي أن البقعة التي انتصر فيها الفرس على الروم في منطقة الأغوار قريباً من البحر الميت هي أدنى الأرض، أي أخفض مكان في الأرض كما تؤكده الموسوعة البريطانية.
ومما أطلع الله نبيه عليه من الغيوب التي لا يعرفها لولا إخبار الله له؛ خبر كتاب حاطب بن أبي بلتعة t الذي أرسله إلى قريش مع امرأة، ويخبرهم فيه بعزم النبي e على غزو مكة، فلما كشف الله ذلك لنبيه؛ بعث علياً والزبيرَ والمقدادَ بنَ الأسود، وقال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب، فخذوه منها))، يقول علي t: فانطلقنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب.
قال ابن حجر: "وفيه من أعلام النبوة إطلاعُ الله نبيه على قصة حاطب مع المرأة".
ومثله نعيه لقادة مؤتة الثلاثة، وقد استشهدوا في الشام، وهو في المدينة ، يقول أنس t : نعى النبي e زيداً وجعفراً وابنَ رواحة للناس قبل أن يأتيَهم خبرُهم ، فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان؛ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم)).
فمن الذي أعلم النبي e بمقتلهم قبل أن يأتي خبرهم إلى الناس؟ إنه الله علام الغيوب، قال الطحاوي: "وفيه عَلَمٌ ظاهر من أعلام النبوة".
ومن إخباره e بالغيوب؛ تعريفه أبا هريرة بحقيقة الشيطان المتمثل في صورة رجل، ، وأنه سيأتي مرة بعد مرة، فقد جاء الشيطان، يسرق من طعام الزكاة، فأمسك به أبو هريرة، ثم خلّى عنه لما شكى الفقر والعَيْلة.
يقول أبو هريرة: فخليتُ عنه، فأصبحتُ، فقال النبي e: ((يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟)) فقلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعِيالاً، فرحمته، فخليتُ سبيله، قال: ((أما إنه قد كذَبك, وسيعود))، قال أبو هريرة: فعرَفتُ أنه سيعود لقول رسول الله e: ((إنه سيعود)) ...
وعاد الرجل كما أخبر النبي e، وأطلقه أبو هريرة ثانية, فأخبره النبي بمقدَمِه ثالثة، فكان كما أخبر، فلما غدا على النبي e قال له e: (( تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟)) قال: لا، قال: ((ذاك شيطان)).
قال ابن حجر: "وفيه إطلاع النبي e على المغيَبات".
إن هذه الغيوب وغيرَها مما أخبر به r أدلةٌ واضحة وبراهينُ ساطعة على نبوة النبي r ، فهي غيوب أخبره بها عالمُ السر والنجوى.



إخباره r بالغيوب المستقبلة التي تحققت بعد وفاته
ولقد أخبر النبي e عن زهاء ألف أمر غيبي، بعضها في القرآن، وبعضها في السنة، وكل منها دليل على نبوته ورسالته.
يروي الشيخان من حديث حذيفة t أن النبي r "خطب خطبة، ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علِمه من علِمه، وجهِله من جهِله"، يقول حذيفة: (إنْ كنت لأرى الشيء قد نسيتُ، فأعرِف ما يعرِف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرَفه).
قال ابن حجر: "دل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتُدئت إلى أن تفنى، إلى أن تُبعث , فشمل ذلك الإخبارَ عن المبدأ والمعاش والمعاد , في تيسير إيراد ذلك كلِّه في مجلس واحد من خوارق العادة أمرٌ عظيم , ويقْرَب ذلك - مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها - أنه e أعطي جوامع الكلم".
وهذا الذي رواه حذيفة مجملاً فصّله عمرو بن أخطب الأنصاري t، فقال: (صلى بنا رسول الله e الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأعلمُنا أحفظُنا).
قال القاضي عياض: " من ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون، والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزَف غمْرُه، وهذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع، الواصلِ إلينا خبرها على التواتر، لكثرة رواتها واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب".
ومن الغيوب الباهرة التي كشفت لنبينا r خبر أم حرام بنت ملحان ، فقد سمعت النبي e يقول: ((أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا)) قالت أم حرام: قلتُ: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: ((أنتِ فيهم)) ثم قال النبي e: ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)) فقلتُ: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: ((لا)).
قال ابن حجر: " وفيه ضروب من إخبار النبي r بما سيقع، فوقع كما قال , وذلك معدود من علامات نبوته: منها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحابُ قوةٍ وشوكة ونِكاية في العدو, وأنهم يتمكنون من البلاد حتى يغزوا البحر , وأن أمَّ حرام تعيش إلى ذلك الزمان , وأنها تكون مع من يغزو البحر , وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية ".
ويروي الشيخان أنه r نام يوماً في بيتها، ثم استيقظ وهو يضحك، فسألَتْه: ما يضحكك يا رسولَ الله؟ قال: ((ناس من أمتي عُرضوا عليّ غُزاة في سبيل الله، يركبون ثبج (ظهر) هذا البحر، ملوكاً على الأسِرّة، أو مثل الملوك على الأسرّة)).
قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها.
ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فسألته أم حرام: ما يضحكُك يا رسول الله؟ قال: ((ناس من أمتي عُرِضوا عليّ غُزاة في سبيل الله )) فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت من الأولين)).
فركبت أمُّ حرامٍ بنتِ مِلحانٍ البحرَ في زمن معاوية t، فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.
وقد نقل الطبراني وغيره أن قبرها معروف في جزيرة قبرص.
وبينما النبي r في تبوك أخبر رواه عوف بن مالك بوقوع ستة أحداث يرتب وقوعها النبي r فيقول: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتحُ بيت المقدس، ثم مُوتانٌ يأخذُ فيكم كقُعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنةٌ لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدِرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غايةٍ اثنا عشر ألفاً)).
وفي هذا الحديث يذكر النبي e أحداثاً ستة يرتبها، أولها: موتُه e، ثم فتحُ بيت المقدس، وقد كان ذلك في العام الخامس عشرَ من الهجرة، ثم موت عظيم يصيب الصحابة، وتحقق في طاعون عِمواس في السنة الثامنةِ عشرة للهجرة، ثم استفاضةُ المال حين كثرت الأموال زمن الفتوح في عهد عثمان، ثم الفتنةُ التي تصيب العرب، وقد وقعت زمن فتنة قتل عثمان t التي كانت بوابة للفتن التي ما تركت بيتاً إلا ودخلته.
وأما العلامة الأخيرة، وهي الهدنة ثم الحرب مع بني الأصفر، وهم الروم فقد اتفق العلماء على أنها لم تقع، وأن ذلك يكون في فتن وملاحم آخر الزمان.
قال ابن حجر: " وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرُها".
ويروي الشيخان من حديث أبي هريرة t أن النبي e قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يُهِمَّ ربَ المال من يقبلُ صدقَتَه، وحتى يعرِضَه فيقولَ الذي يَعرِضُه عليه: لا أَرَب لي)).
قال ابن حجر: "في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال:
الأولى: إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة، ومن ثَم قيل فيه: ((يكثر فيكم))...
الحالة الثانية: الإشارة إلى فيضه من الكثرة، بحيث أن يحصل استغناء كلُّ أحدٍ عن أخذ مالِ غيرِه, وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأولِ عصر من بعدَهم، ومن ثَم قيل: ((يُهِمَّ ربَ المال))، وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمرِ بنِ عبد العزيز.
الحالة الثالثة: فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد، حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يَقبل صدقته، ويزداد (أي الهمُّ) بأنه يعرضه على غيره؛ ولو كان ممن لا يستحق الصدقة، فيأبى أخذَه، فيقول: لا حاجة لي فيه، وهذا في زمن عيسى عليه السلام".
ومما أخبر به r قدومُ أويس القَرَني من اليمن وقد ذكر e لأصحابه بعضَ صفته وأحواله لأصحابه، فقال: ((إن رجلاً يأتيكم من اليمن، يقال له: أُويس، لا يدع باليمن غيرَ أمٍ له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه؛ إلا موضعَ الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)).
وقد كان كما أخبر e، فقد روى أحمد في مسنده من حديث أُسير بن جابر أنه لما أقبل أهل اليمن زمن عمر؛ جعل يستقري الرفاق، فيقول: هل فيكم أحد من قَرَن؟ حتى أتى على قرن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قَرَن.
قال: فوقع زِمامُ عمر t أو زِمام أويس، فناوله أحدهما الآخر، فعرفه، فقال عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس. فقال: هل لك والدة؟ قال: نعم. قال: فهل كان بك من البياض شيء؟ قال: نعم فدعوتُ اللهَ عز وجل فأذهبَه عني إلا موضعَ الدِرهم من سُرَّتي لأذكر به ربي. فقال له عمر t: استغفر لي. قال: أنت أحق أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله e.
فقال عمر t: إني سمعت رسول الله e يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس، ولهُ والدة، وكان به بياض فدعا الله عز وجل فأذهبَه عنه إلا موضعَ الدِرهم في سُرَّتِه)) فاستغفَر له أويس ثم دخل في غمار الناس فلم يُدر أين وقع (ذهب).
قال النووي: "وفي قصة أويس هذه معجزات ظاهرة لرسول الله e".
وإن منها إخباره e عن ظهور الدجالين الذين يدعون النبوة، وقد حذر منهم النبي e فقال: ((لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)). وفي رواية لأحمد: ((في أمتي كذابون ودجالون، سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي)).
قال ابن حجر: "وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقاً؛ فإنهم لا يُحصَون كثرة، لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون .. وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة ".
وأول النسوة الأربع اللاتي يتنبئن بالكذب سجاحُ التميمية التي ادعت النبوة، قال ابن حجر: "وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبي e، فخرج مسيلمة باليمامة, والأسود العنسي باليمن, ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحةُ بن خويلد في بني أسد بن خزيمة, وسجاح التميمية في بني تميم.. ".
وقد نصّ النبي r وأنبأ عن دجالَيْن يظهر أمرهما بعده، وقد ادعيا النبوة في آخر حياته e، وهما مسيلمةُ الكذاب في اليمامة، والأسودُ العنسي في اليمن.
فقد رأى النبي e في رؤياه أن في يديه سِوارين من ذهب، يقول e: ((فأهمني شأنُهما، فأوحي إلي في المنام أن انفُخْهما، فنفختهما، فطارا، فأولتُهما كذابَيْن يخرجان بعدي)).
وقد تحققت رؤياه فكان مسيلمة أول الكذابَين، فقد قدم المدينة على عهد رسول الله e، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعتُه، فأقبل إليه رسول الله e وفي يده قطعة جريد فقال: ((لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتُكَها، ولن تعدوَ أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقِرَنك الله، وإني لأراك الذي أُريتُ فيك ما رأيت)).
قال أبو هريرة: (فكان أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة).
قال النووي: " قوله: (( ولئن أدبرت ليعقرِنك الله )) أي إن أدبرت عن طاعتي ليقتلنك الله .. وقتله الله تعالى يوم اليمامة، وهذا من معجزات النبوة ".
فقد خرج الصحابة لقتاله، وقتله الله بأيديهم، فأطفأ كيده، وأطاش سهمه.
ومثله رد الله كيد الأسودِ العنسي ثانيَ الكذابيْن ، وذلك لما ادعى النبوة قبيل وفاة النبي e, وتابعه قوم من أعراب اليمن, فقوي واشتد بهم ساعِدُه, فقتله الله على يد فيروزٍ الديلمي وبعضِ المسلمين من أهل اليمن، بمساعدة زوجة الدعي الكذاب، فتحقق فيه ما رآه النبي e في رؤياه، فصارت ضلالته هباء تذروه الرياح } فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال { (الرعد: 17).
ومن هؤلاء الكذابين الذين يدعون النبوة؛ كذابٌ أنبأ النبي r أنه يخرج في ثقيف، ففي صحيح مسلم أن أسماء بنت الصديق دخلت على الحجاج الثقفي بعد مقتل ابنها عبد الله بنِ الزبير فقالت: (إن رسول الله e حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومُبيراً، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالُكَ إلا إياه).
قال النووي: " المبير المهلك، وقولها في الكذاب (فرأيناه) تعني به المختارَ بنَ أبي عبيد الثقفي، كان شديد الكذب، ومن أقبحه [أنه] ادعى أن جبريل r يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختارُ بنُ أبي عبيد، وبالمبير الحجاجُ بنُ يوسف".
يقول التابعي رِفاعة بنُ شداد: دخلت على المختار الثقفي ذات يوم، فقال : جئتني والله، ولقد قام جبريل عن هذا الكرسي.
يقول رِفاعة: فأهويت إلى قائم سيفي (أي لأقتله) فذكرت حديثاً حدثناه عمرو بن الحَمِقِ t قال : سمعت رسول الله r يقول : ((إذا اطمأن الرجل إلى الرجل، ثم قتله بعدما اطمأن إليه؛ نُصب له يوم القيامة لواءُ غدر)) ، قال رِفاعة: فكففتُ عنه.
وهكذا كان تنبؤ المختارِ الثقفيِ مُصدقاً لخبر تنبأه النبي r عن الكاذب الذي يخرج في ثقيف، كما كان الحجاج هو الظالم الذي يكون من ثقيف، وهذا خبر وحي أخبره به ربه علام الغيوب.
ولن ينقطع هؤلاء الكذابون في التاريخ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)).
ومن هؤلاء الدجالين الذين جاؤوا بالمنكر من القول المتنبئ الكذاب ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ظهر قبل قرن من الزمان في الهند، ورد أحاديث النبي r ، ثم ادعى النبوة.
وقد أخبر النبي r عن ضلالة هذا الدعي فيما رواه عنه المقدام بنُ معدي كرب حيث قال r: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه)).
قال المباركفوري: "وهذا الحديث دليلٌ من دلائل النبوة وعلامةٌ من علاماتها، فقد وقع ما أخبر به، فإن رجلاً قد خرج في البنجاب من إقليم الهند، وسمى نفسه بأهل القرآن، وشتان بينه وبين أهل القرآن، بل هو من أهل الإلحاد .. فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها, وقال: هذه كلها مكذوبةٌ ومفترياتٌ على الله تعالى، وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط، دون أحاديث النبي e, وإن كانت صحيحةً متواترةً".
وهكذا ، فإن إخبار النبي r بخبر هؤلاء الكذابين إنما هو إخبار ببعض غيب الله الذي أطلع الله عليه نبيه r ، ليكون تحققه دليلاً على صدق النبي r وبرهاناً على نبوته ورسالته.
فهذه التنبوءات تحققت بعد وفاته r، وهي براهين ساطعة على نبوته r.
خامساً : إخباره بفتوح البلدان لأمته
ومن هذه الغيوب ما أخبر عنه e مراراًً من انتشار الإسلام وظهور أمره على الأديان، وبلوغه إلى الآفاق، وهو أمر غيب لا مدخل فيه للتخمين ورجم الظنون، فإما أنه كاذب صادر من دعي، أو هو خبر صادق أوحاه الله الذي يعلم ما يُستقبَل من الأحداث والأخبار.
وشواهد ذلك كثيرة في القرآن والسنة، منها قوله تعالى: } هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون { (التوبة: 33)، وقد صدقه الله فقد ظهر أمره، وتم نوره، وعظُم دينه .
وقد قال r منبئاً عن ملك أمته وسلطانها: ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زوي لي منها، وأعطيتُ الكنزين الأحمرَ والأبيض)).
قال النووي: "وهذا الحديث فيه معجزاتٌ ظاهرة, وقد وقعت كلُّها بحمد اللّه كما أخبر به e ... المراد بالكنزين الذّهب والفضّة, والمراد كنزي كسرى وقيصر ملِكي العراق والشّام، وفيه إشارة إلى أنّ مُلكَ هذه الأمّة يكون معظم امتدادِه في جهتي المشرق والمغرب, وهكذا وقع، وأمّا في جهتي الجَنوب والشَّمال فقليل بالنّسبة إلى المشرق والمغرب". فقد أعلمه الله بانتشار دينه، وبسؤدد أتباعه وأمته من بعدِه على فارس والروم وغيرها من البلاد.
وروى الإمام أحمد مثلَ هذه النبوءة العظيمة بل أعظمَ منها، حين تنبأ e عن بلوغ دينه إلى أقاصي الأرض، فقال: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وبرٍ، إلا أدخله اللهُ هذا الدين، بعز عزيز، أو بذلِّ ذليل، عزاً يُعز الله به الإسلام، وذُلاً يذل الله به الكفر)).
وكان تميم الداري t يؤكد تحقق هذه النبوءة فيقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلمَ منهم الخيرُ والشرفُ والعزُ، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذلُ والصَغارُ والجزيةُ.
ولسوف نعرض لبعض الفتوحات التي بشر بها النبي e ، فتحققت حال حياته ، فكانت دليلاً على نبوته ورسالته:
منها تنبؤه بنصر بدر العظيم في وقت كان المسلمون يعانون في مكة صنوف الاضطهاد ويُسامون سوء النكال؛ وفي وسط هذا البلاء نزل على النبي r قوله تعالى: } أكفاركم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءةٌ في الزبر # أم يقولون نحن جميعٌ منتصرٌ # سيهزم الجمع ويولون الدبر# بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر { (القمر:43-46).
فقال عمر بن الخطاب [أي في نفسه] : أي جمع يهزم؟ أي جمع يُغلَب؟ فلما كان يوم بدر رأيتُ رسول الله e يثِب في الدرع، وهو يقول : }سيهزم الجمع ويولون الدبر{ فعرفت تأويلها يومئذ.
فهذه الآية نزلت قبل الهجرة بسنوات تتحدث عن غزوة بدر، واندحار المشركين فيها، وتتنبأ بهزيمتهم وفلول جمعهم.
وقبيل معركة بدر أدرك النبي r اقتراب تحقق الوعد القديم الذي وعده الله، فقام إلى العريش يدعو ربه ويناجيه: ((اللهم إني أنشِدُك عهدَك ووعدَك، اللهم إن شئت لم تُعبَد بعدَ اليوم))...
ثم خرج رسول الله r من عريشه، وهو يقول: ] سيهزم الجمع ويولون الدبر # بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [.
وهكذا كان، فقد هزمت جموعهم، وولوا على أدبارهم، وصدق الله نبيَه الوعدَ، وعدَ الله لا يخلف الله الميعاد.
ورأى النبي e في رؤياه أنه يأتي المسجد الحرام ويطوف به، فأخبر أصحابه، فسُروا بذلك، وظنوا أن ذلك يكون في عامهم، فتجهزوا مع النبي e آمّين البيت الحرام معظمين لحرْمَته، فصدتهم قريش عن البيت، وانتهى الأمر بإبرام صلح الحديبية الذي ألزم المسلمين بالعود إلى المدينة، وأن يعتمروا من عامهم القابل.
وشعر الصحابة بغبن الشروط التي تضمنها الصلح، حيث اعتبره بعضهم من الدنية، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ فقال: ((بلى)) فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: ((بلى)) قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ أنرجع ولما يحكمِ الله بيننا وبينهم؟ فقال: ((يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً)) ... فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله e على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أوَفتح هو؟ قال: ((نعم)). وأنزل الله في إثرها آيات من سورة الفتح.
لقد صدق الله رسوله القول: }إنا فتحنا لك فتحا مبيناً{ (الفتح: 1) ، فكانت الآية عزاء للنبي وصحابته على عودهم إلى المدينة من غير أن يطوفوا بالبيت الحرام، فقال e: ((لقد أنزلت علي آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً)).
قال ابن حجر في تبيان معنى الفتح العظيم الذي حققه المسلمون في صلح الحديبية: "المراد بالفتح هنا الحديبية، لأنها كانت مبدأَ الفتح المبين على المسلمين , لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب، وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصولَ إلى المدينة من ذلك، كما وقع لخالدٍ بنِ الوليد وعمرو بنِ العاص وغيرِهما , ثم تبعت الأسباب بعضَها بعضاً إلى أن كمل الفتح ...
قال (الزهري): لم يكن في الإسلام فتحٌ قبلَ فتح الحديبية أعظمَ منه , وإنما كان الكفر حيث القتال , فلما أمن الناس كلهم؛ كلم بعضُهم بعضاً، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد في الإسلام يعقِل شيئاً إلا بادر إلى الدخول فيه , فلقد دخل في تلك السنتين مثلُ من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر .
قال ابن هشام : ويدل عليه؛ أنه e خرج في الحديبية في ألف وأربعِمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرةِ آلاف.
وقبل أن يتضح لأصحاب النبي e أبعاد الفتح العظيم عزم النبي e على الرجوع إلى المدينة ؛ وأمر الصحابة بذبح الهدي والعود إلى المدينة، فكرهوا عودتهم من غير أن يأتوا البيت، فيحققوا رؤيا النبي e، فأتى عمر t النبي e فقال: أوليس كنتَ تحدثُنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به؟ قال: ((بلى، فأخبرتُكَ أنّا نأتيه العام؟)) فقال عمر: لا. فقال e: ((فإنك آتيه ومطوفٌ به)).
ونزلت آيات القرآن تؤكد صدقَ ما رآه النبي e في رؤياه وحتميةَ تحققِ ما أوحى الله إليه في رؤياه: } لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون { (الفتح: 27)، وقد تحقق ذلك في عمرة القضاء في العام الذي يليه.
قال القرطبي في هذه الآية وغيرِها: " فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها ربُ العالمين ، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسولَه، لتكون دلالة على صدقه".
وأثاب الله الصحابة على صدق بيعتهم لرسول الله e عند شجرة الرضوان بفتح قريب ومغانم وفيرة، أثابهم بفتح خيبر، فقال: } لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً % ومغانم كثيرةً يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً % وعدكم الله مغانم كثيرةً تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آيةً للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً { (الفتح: 18-20).
لقد وعد الله أصحاب الشجرة بمغيَّبات عدة ، منها الوعد بفتحٍ قريب ومغانمَ كثيرةٍ } وأثابهم فتحاً قريباً % ومغانم كثيرة يأخذونها { (الفتح: 18-19).
قال الطبري: "وأثاب الله هؤلاء الذين بايعوا رسول الله e تحت الشجرة - مع ما أكرمهم به من رضاهُ عنهم وإنزالِه السكينة عليهم وإثابتِه إياهم – فتحاً قريباً ، معه مغانمُ كثيرةٌ يأخذونها من أموال يهود خيبر، فإن الله جعل ذلك خاصة لأهل بيعة الرضوان دون غيرهم".
والتنبؤ بفتح خيبر لم يكن تنبؤاً بأمر ميسور قريب النوال، فإن خيبر حصون منيعة ، وفيها عشرة آلاف من المقاتلين الشجعان ، أي ما يضعف بسبع مرات عدد المسلمين القادمين إليها ، لكنه موعود الله، فما إن لاحت بالأفق حصونها حتى قال e: ((خرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ]فَسَاء صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ[ (الصافات: 177)، قال أنس: فهزمهم الله)).
قال أبو القاسم الأصبهاني: "وفيه من دلالة النبوة أنه كان كما قال، خرِبت خيبر بعد نزوله r بساحتهم".
وكما أخبر عن فتح خيبر فإنه تحدث عن جلاء اليهود منها ، وقد وقع ذلك زمن خلافة عمر t ، فقد اعتدى بعض أهل خيبر على عبد الله بن عمر؛ قام عمر خطيباً فقال: إن رسول الله e كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: ((نقركم ما أقركم الله))، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففُدِعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم.
فلما أجمع عمر على ذلك؛ أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا؟
فقال عمر: أظننتَ أني نسيتُ قول رسول الله : ((كيف بك إذا أُخرجت من خيبر تعدو بك قَلوصُك ليلةً بعد ليلة؟)) فقال: كانت هذه هُزَيلة (مزاحاً) من أبي القاسم.
قال: كذبت يا عدو الله.
فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك.
وقال ابن حجر: " أشار e إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالمغيَّبات قبل وقو عها".
ولم يكن فتحُ خيبرَ الوعد الوحيد الذي وعده الله أصحابَ الشجرة، بل قد بشّرهم بغيرِها، فقد بشرهم بفتح مكة ، فقال: } وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيءٍ قديراً{ (الفتح: 21).
وهذه الآية الكريمة بشارة بفتح مكة، لأنها البقعة التي رامها المسلمون ولم يقدروا عليها بعد، قال الطبري: " المعني بقوله: } وأخرى لم تقدروا عليها { غير (غيرُ خيبر)، وأنها هي التي قد عالجها ورامها فتعذّرت، فكانت مكةُ وأهلُها كذلك، وأخبر الله تعالى ذِكرُه نبيَه e والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتحُها عليهِم".
وتحقق الوعد بفتح مكة التي بشر الله - من قبل - نبيه بفتحها يوم الهجرة، وهو قريب من الجحفة فقال له مواسياً: } إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد { (القصص: 85).
قال القرطبي: "ختم السورة [سورة القصص] ببشارة نبيه محمد e برده إلى مكة قاهراً لأعدائه .. وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس و مجاهد وغيرهم".
وقد غادر النبي e الدنيا ولما يرى بأم عينه بعض ما وعده الله تعالى في دينه وأمته، ولكنها تحققت زمن خلفائه وأتباعه عليه الصلاة والسلام.
وأول هذه الاخبار ما ذكره القرآن من وعد للأعراب الذين لم يخرجوا مع النبي e إلى عمرة الحديبية فقال لهم مختبراً صدقهم وإيمانهم: } قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً { (الفتح: 16).
وقد اختلف المفسرون في هؤلاء القوم أولي البأس الشديد الذين سيدعى الأعراب إلى قتالهم على أقوال، منها أنهم هوازن أو ثقيف أو فارس والروم ، وذكر الواحدي أن جمهور المفسرين على أنهم بنو حنيفة، لقول رافعٍ بنِ خَديج t: (والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى } ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد { فلا نعلم من هم، حتى دعانا أبو بكرٍ إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم). فكان هذا الوعد غيباً آخرَ أطلع الله عليه نبيه، حين بشره بالنصر والظفر على قوم أولي بأس شديد، يدعى هؤلاء الأعراب إلى قتالهم، وكان ذلك في حروب المرتدين أتباعِ مسيلمةَ الكذاب.
ومما بشّر به e، فتحقق بعده كما أخبر، بشارتُه بفتوح اليمن والشام والعراق واستيطان المسلمين بهذه البلاد، حيث قال e: (( تُفتَح اليمن فيأتي قوم يُبِسُّون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام فيأتي قومٌ يُبِسُّون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قومٌ يُبِسُّون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)).
قال النووي: "قال العلماء: في هذا الحديث معجزاتٌ لرسول الله e، لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب [اليمن ثم الشام ثم العراق]، ووجِد جميعُ ذلك كذلك بحمد الله وفضله".
ويؤكد ابن حجر على تحقق هذه النبوءات النبوية، فينقل عن ابن عبد البر وغيره قولهم: "افتتحت اليمن في أيام النبي e وفي أيام أبي بكر , وافتتحت الشام بعدها , والعراق بعدها ، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة , فقد وقع على وفق ما أخبر به النبي e وعلى ترتيبه , ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء , ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرًا لهم".
وأما فتح فارس، فقد بشر به رسول الله r أصحابه، فقال: ((لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض)).
وذكر ابن كثير أن أول من رأى القصر الأبيض ضرار بن الخطاب، فجعل الصحابة يكبرون ويقولون: هذا ما وعدنا الله ورسوله .
ولما أخبر النبي e بفتح مصر؛ دعا إلى الإحسان إلى أهلها إكراماً لهاجر أم إسماعيل، فقد كانت من أرض مصر، كما أخبر بدخولهم في الإسلام واشتراكهم مع إخوانهم في التمكين له، قال e: ((إنكم ستفتحون مصر .. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِماً))، في رواية لابن حبان: (( فاستوصوا بهم خيرًا، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله)).
والتفت النبي e إلى أبي ذر فقال: ((فإذا رأيتَ رجلين يختصمان فيها في موضع لَبِنة فاخرج منها))، وقد تحقق ذلك، فكان أبو ذر t ممن فتح مصر وسكنها، يقول t: فرأيت عبدَ الرحمنِ بنَ شرحبيلَ بنِ حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لَبِنة، فخرجت منها.
قال النووي: "وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله e، منها إخباره بأن الأمةَ تكون لهم قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة، ومنها أنهم يفتحون مِصر، ومنها تنازع الرجلين في موضع اللَبِنة، ووقع كلُ ذلك ولله الحمد".
وأخبر النبي e عن الفتوح التي تقع على أيدي أصحابه ومن بعدهم، وأنها تستمر إلى ثلاثة أجيال بعده e قبل أن تتوقف، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري t أن النبي e قال: ((يأتي على الناس زمانٌ يغزو فِئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله e؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسولَ الله e؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله e فيقولون: نعم، فيفتح لهم)).
قال النووي: "وفي هذا الحديث معجزاتٌ لرسول e ، وفضلُ الصحابة والتابعين وتابعيهم".
ولا تتوقف نبوءات النبي e عند فتوح العراق والشام ومصر ، بل يمتد إخبارُه ليحدث عن فتح بلاد بعيدة المنال، إنها القسطنطينيةُ عاصمةُ دولة الروم، يقول e: ((لتُفتحن القسطنطينية فلنِعمَ الأميرُ أميرُها، ولنعم الجيشُ ذلك الجيش))، قال عبد الله بن بشر الخثعمي راوي الحديث: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فسألني فحدثته، فغزا القسطنطينية.
لقد جزم مسلمة بتحقق هذه النبوءة، فأراد أن يحوز شرفها، فغزا القسطنطينية، لكن الله اختبأها لفتى بني عثمان محمدٍ الفاتح رحمه الله، فكان فتحُه لها دليلاً آخر على نبوة النبي e.
ولئن كان تنبؤه e بفتح القسطنطينية قد تحقق بعد ثمانية قرون فإن نبوءة أخرى يختبئها قدر الله للأمة المسلمة، ألا وهو فتح روما، وقد أخبر e أنه يكون بعد فتح القسطنطينية، فقد سـئل عبد الله بن عمرو بن العاص أي المدينـتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا بصندوق له حلق، قال : فأخرج منه كتاباً وقال: بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سئل رسول الله : أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله : ((مدينة هرقل تفتح أولاً : يعني قسطنطينية)).
لكن العجيب المدهش الذي يلوي الأعناق أن بعض هذه الأخبار كانت في وقت ضيق المسلمين وعلى خلاف ما توحي به الأحداث، بل على عكسه ونقيضه ، لقد كان النبي e يتنبأ - وهو في ضنك البلاء وأُوار المحنة - بما لا يمكن لأحد أن يحلُم به ولو في رؤياه.
فقد خرج النبي e على أصحابه وهم يعذبون بالنار والحديد في بطحاء مكة، وفيهم خباب بن الأرت، الذي تقدم إليه شاكياً فقال قال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال r: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه".
ثم بشره النبي e ببشارة عظيمة فقال: " والله ليُتِمنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).
إنه r يتنبأ بتمام أمر دينه، وبأمن أصحابه في زمنٍ ما كانوا يجرؤون فيه على إعلان دينهم خوفاً من بطش قريش وعذابها.
وفي المدينة المنورة ألقى الخوف بظلاله على المسلمين، يقول أبي بن كعب في وصف حالهم: لما قدم رسولُ الله e وأصحابُه المدينة، وآواهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه.
فقالوا: ترون أنـَّا نعيشُ حتى نبيتَ مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟ فنزل قوله تعالى: } وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً { (النور: 55) وكان كذلك، فقد أمنهم الله من بعد خوفهم، وسودهم الأرض واستخلفهم فيها من بعد ذلتهم، ومكَّن لهم دينهم في مشارق الأرض ومغاربها.
قال القرطبي : " وقد فَعلَ اللهُ ذلك بمحمدٍ وأمتِه، ملّكَهُم الأرض، واستخلفهم فيها، وأذل لهم ملوكاً تحت سيف القهر بعد أن كانوا أهل عز وكبر، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ومنحهم رقابهم } وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد { (الزمر: 20)".
وفي موقف آخر من المواقف الصعبة التي عانى منها الصحابة أتى عدي بن حاتم النبي e، وبينما هو عنده إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
فالتفت النبي r إلى عَدي، وقال: ((فلعلك إنما يمنعك عن الإسلام أنك ترى من حولي خصاصة، أنك ترى الناس علينا إلْباً)).
ثم ألقى النبي r نبوءة مفاجئة أذهلت عَدياً، فقد قال له: ((يا عدي، هل رأيت الحيرة؟)) فأجابه: لم أرها، وقد أُنبئت عنها، فقال r: ((فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (أي المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا الله)).
يقول عدي، وهو يتشكك من وقوع هذا الخبر: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار [لصوص] طيءٍ الذين سعروا البلاد؟
وقبل أن يفيق عدي من ذهوله وحديثه مع نفسه أسمعه النبي r نبوءة أعظمَ وأبعد، فقال: ((ولئن طالت بك حياة لتُفتحنَّ كنوزُ كسرى)).
ولم يصدق عديٌ مسمعه فقال للنبي r مستوثقاً: كسرى بنِ هُرمز؟ فأجابه النبي r بلسان الواثق من ربه - على ضعف حاله اليوم وفاقة أصحابه - فقال: ((كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بك حياة لتريَنَّ الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبلُه)).
ثلاث نبوءات لا يمكن لغير مؤمنٍ أن يُصدق بوقوعها في ذلك الزمان وفي مثلِ تلك الظروف، لكنها دلائل النبوة وأخبار الوحي الذي لا يكذب.
يقول عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوفَ بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم e [عن الرجل] يخرج ملء كفه.
وصدق t ، فقد تحققت الثالثة زمن الخليفةِ الراشدِ عمرِ بنِ عبد العزيز.
ومثله قوله e: ((لا تقوم الساعة حتى يسير الراكب بين العراق ومكة؛ لا يخاف إلا ضلال الطريق)).
ولما أتت جموع الأحزاب إلى المدينة، وهم يرومون استئصال المسلمين أمر النبي r بحفر الخندق حول المدينة، وبينما هم يحفرون عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله r وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: ]تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم[ (الأنعام: 115) فندر ثُلث الحجر، وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربةِ رسول الله r برْقة.
ثم ضرب الثانية والثالثة فكان مثله.
فتقدم إليه سلمان فقال: يا رسول الله رأيتُك حين ضربت، ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة؟ فقال له رسول الله r: ((يا سلمان رأيتَ ذلك؟)) فقال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله.
قال: ((فإني حين ضربت الضربة الأولى رُفعت لي مدائنُ كسرى وما حولها ومدائنٌ كثيرة حتى رأيتُها بعينيّ)).
فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا .. فدعا رسول الله r بذلك.
((ثم ضربتُ الضربة الثانية، فرُفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعينيّ)). قالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا.. فدعا رسول الله r بذلك.
((ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني)).
ثم بادرهم النبي e بالقول: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)).
وقد أطلع الله نبيه على ما يكون من أخبار الحبشة والترك، وما تحدثه حروبهم من النكال بالمسلمين، فكره قتالهم ، وأوصى باجتنابهم.
أما الحبشة فإنهم يهدمون الكعبة في آخر الزمان ، فقد قال e : ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)).
وأما الترك فمنهم التتار الذين استباحوا بغداد وقتلوا فيها ما يربو على مليونين من المسلمين عام 658هـ.
قال ابن كثير: "وفي هذه السنة [643هـ] كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله، فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة، وفرقوا شملهم، وهزموا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم، ولم يتبعوهم خوفاً من غائلة مكرهم وعملاً بقوله e : ((اتركوا الترك ما تركوكم))".
وعلل بعض أهل العلم الأمر بترك قتالهم بـأنه "لأن بلاد الحبشة وغيرهم، بين المسلمين وبينهم مهامِه وقفار، فلم يكلِّف المسلمين دخول ديارهم لكثرة التعب وعظمة المشقة، وأما الترك فبأسهم شديد، وبلادهم باردة والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول البلاد، فلهذين السِّرين خصصهم".
وانقضت غزوة الأحزاب، وولت جموعهم الأدبار، وقبل أن ينقشع غبار إدبارهم أخبر النبي e بنبوءة أخرى ما كان له أن يطلع عليها لولا إخبار الله له، فقال: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم)).
وهكذا كان، إذ كانت غزوة الأحزاب آخر غزاة غزتها قريش في حربها مع النبي r، وقد غزاهم المسلمون بعدها، وفتحوا مكة بعون الله وقدرته، فمن الذي أعلم النبي e أن هذه الألوف التي دهمت المدينة لن تعود إليها بعد هذه الكَرَّة الخاسرة؟ إنه الله رب العالمين.
قال ابن حجر عن قوله e : ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا)): "وفيه علمٌ من أعلام النبوة، فإنه e اعتمر في السنة المقبلة، فصدّتهُ قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سببَ فتح مكة، فوقع الأمر كما قال r".
المعجزات الحسية
إن من أعظم دلائل النبوة ما يؤتيه الله أنبياءه من خوارق العادات التي يعجز عن فعلها سائر الناس، وتمكينهم من هذه الخوارق إنما هو بفعل الله، وهو دليل رضا الله وتأييدِه لهذا الذي يدعي النبوة والرسالة، ولا يمكن أن يؤيد الله بعونه وتوفيقه من يدعي الكذب عليه ويُضل الناسَ باسمه.
ومن هذه المعجزات التي أوتيها الأنبياء؛ حبس الله الشمس عن الغروب لنبيه يوشع بن نون، قال e : ((غزا نبي من الأنبياء .. فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنتِ مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ شيئاً، فحبست عليه حتى فتح الله عليه )). لقد خرق الله سنته في جريان الشمس إكراماً لنبي الله يوشع، واستجابة لدعائه لله.
وبمثله أيد الله موسى عليه السلام، فقد شقّ الله له البحر لما ضربه بعصاه، فصار طرقاً ممهدة يمشي بنو إسرائيل عليها في دعة وسكينة.
وبمثل هذه المعجزات أيدالله نبيه محمداً e، فرأى مشركو مكة منه الكثير من دلائل النبوة الدالة على نبوته e، لكنهم لم يؤمنوا ولم يذعنوا للحق، بل طلبوا على سبيل العناد المزيد من الآيات } وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً % أو تكون لك جنةٌ من نخيلٍ وعنبٍ فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً % أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً % أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً{ (الإسراء:90-93).
وحتى يقيم الله حجته على قريش فإنه آتى نبيه e معجزة من جنس ما طلبوه على سبيل التعجيز، إلا وهي انشقاق القمر، وهو حدث عظيم لا يقع إلا بتقدير العزيز العليم.
فقد روى الشيخان وغيرهما من حديث ابن مسعود t أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله e فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه, فقال رسول الله e : ((اشهدوا)).
قال الخطابي: "انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجاً من جبلة طباع ما في هذا العالم، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر".
قال ابن كثير بعد أن ساق روايات عدة لحادثة انشقاق القمر: "فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز .. والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء، بل انفرق باثنتين، وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والأخرى من الناحية الأخرى، وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السماء، وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شيء سحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين، فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحة ذلك وتيقنوه".
وهذا الذي حكاه الله بقوله: } اقتربت الساعة وانشق القمر % وإن يروا آيةً يعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمر % وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمرٍ مستقر { (القمر: 1-3)، فلم يجدوا أمام هذه الآية الباهرة إلا أن يتهموا نبي الله e بالسحر.
واليوم في عصر العلم والمعرفة تتجدد هذه الآية العظيمة، فقد نشرت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا في موقعها على شبكة الإنترنت صورة للقمر، وقد اخترطه خط طويل من أقصاه إلى أقصاه، ويعتقد العلماء أنه أثر لانشقاق حصل في القمر قديماً.
وصدق الله وهو يقول : } سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيدٌ { (فصلت: 53).
ومن خوارق العادات المعجزة التي آتاها الله نبيه e ما أعطاه من استجابة الجماد لأمره، والمعهود فيه خلاف ذلك، فقد أتى النبيَ e رجل من بني عامر، فقال له رسول الله e : ((ألا أريك آية؟)) قال: بلى. فنظر إلى نخلة، فقال (العامري للنبي e): ادع ذلك العذق!
قال: فدعاه، فجاء ينقز حتى قام بين يديه فقال له رسول الله e: ((ارجع)) فرجع إلى مكانه.
فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلاً أسحر.
وفي رواية لابن حبان أن العامري قال: "والله لا أكذبك بشيء تقوله أبداً"، ثم قال: "يا آل عامر ابن صعصعة، والله لا أكذبه بشيء يقوله".
إن تحرك الشجرة من مكانها وذهابها ومجيئها لهو آية معجزة وبرهان دامغ على صدقه ونبوته e.
ويروي الإمام مسلم نحو هذه المعجزة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، يقول: سرنا مع رسول الله e حتى نزلنا واديا أفيح (واسعاً) فذهب رسول الله e يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء فنظر رسول الله e، فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي.
فانطلق رسول الله e إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي علي بإذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش [المربوط بالحبل] الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي علي بإذن الله)) فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما، يعني جمعهما فقال: ((التئما علي بإذن الله)) فالتأمتا.
ثم يمضي جابر في حديثه ويخبرنا بعود الشجرتين إلى حالهما بعد قضاء النبي e حاجته، يقول: فإذا أنا برسول الله e مقبلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق".
قال الإمام أحمد: "في الحديث آيات من دلائل نبوة النبي e منها: انقلاع الشجرتين واجتماعهما، ثم افتراقهما".
وفي جنبات مكة ثبت الله قلب حبيبه e في مواجهة المحن بآية من هذا الجنس، فقد جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله e، وهو حزين قد خضب وجهه بالدماء، قد ضربه بعض أهل مكة، فقال: مالك؟ فقال: ((فعل بي هؤلاء، وفعلوا)) فقال جبريل: أتحب أن أريك آية؟ قال: ((نعم أرني)).
فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: قل لها فلترجع، فقال لها: فرجعت، حتى عادت إلى مكانها، فقال رسول الله e : ((حَسْبي)). إنه دليل آخر من دلائل نبوته e.
ومن معجزات الأنبياء ما أعطاه اللهُ داودَ عليه السلام، ذلك النبي الأواب الذي كان يسبح الله، فتجيبه الجبال الرواسي والطيور مسبحة الله تعالى معه } وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين { (الأنبياء: 79). } ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد { (سبأ: 10).
وبمثل هذه المعجزات العظيمة أيد الله نبيه محمداً e ، فسبح للهِ بين يديه الجمادُ ، وشهد له بالنبوة والرسالة.
يقول ابن مسعود t: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل. أي بين يدي النبي e.
ويقول أبو ذر t: إني شاهد عند النبي r في حَلْقَة، وفي يده حصى، فسبّحنَ في يده. وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فسمع تسبيحَهن مَنْ في الحَلْقَة، ثم دفعهنّ النبي r إلى عمر، فسبحن في يده، وسمع تسبيحهنّ مَنْ في الحلقة، ثم دفعهن النبي r إلى عثمان بن عفان، فسبّحن في يده، ثم دفعهن إلينا، فلم يسبّحن مع أحدٍ منا.
ويقارن ابن كثير بين هذه المعجزة ومعجزة نبي الله داود عليهما السلام، فيقول: "ولا شك أن صدور التسبيح من الحصى الصغار الصمّ التي لا تجاويف فيها؛ أعجب من صدور ذلك من الجبال؛ لما فيها من التجاويف والكهوف، فإنها وما شاكلَها تردِّدُ صدى الأصوات العالية غالباً .. ولكن من غير تسبيح؛ فإن ذلك (أي تِردادَها بالتسبيح) من معجزات داود عليه السلام، ومع هذا كان تسبيح الحصى في كف رسول الله r وأبي بكر وعمر وعثمان أعجب".
وصدق الشاعر وهو يقول:
لئن سبحت صم الجبال مجيبة لداود أو لان الحديد المصفح
فإن الصخور الصم لانت بكفه وإن الحصا في كفه ليسبح
وإن من معجزاته e العظيمة نطقُ الجمادات بين يديه، فالجمادات لا تعقل ولا تنطق، فإذا أنطقها الله بتصديقه، فهو دليل رضاهُ عن النبي في قوله بنبوة نفسه وصدقه حين قال بإرسال الله إياه.
وقد بدئ e بآية من هذا النوع قبل نبوته ، فكان الحجر يسلم عليه، يقول رسول الله e: ((إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)).
قال النووي: "فيه معجزة لرسول الله r".
وبعد البعثة رأى الصحابة ذلك، يقول علي t: (كنا مع رسول الله e بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله).
ولم تتوقف هذه الآيات والمعجزات عند السلام عليه e والتسبيح بين يديه وأيدي أصحابه، بل أنطقها الله بالشهادة له e بالنبوة والرسالة.
يقول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا مع النبي e في سفر فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله e : ((أين تريد؟)) قال: إلى أهلي، قال: ((هل لك في خير؟)) قال: وما هو؟ قال: ((تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله)).
قال الأعرابي: ومن يشهد على ما تقول؟ فأشار النبي إلى شجرة، وقال: ((هذه السلَمَة))، فدعاها رسول الله e وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تَخُدُّ الأرض خداً حتى قامت بين يديه, فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً أنه كما قال.
ثم رجعت إلى منبَتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتُكَ بهم، وإلا رجعتُ فكنتُ معك.
ومن عظيم خوارق العادات التي أوتيها النبي r حنين الجذع الذي كان يخطب عليه في يوم الجمعة، وهي قصة مشهورة شهدها الكثير من أصحاب النبي r، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كان النبي e يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبراً؟ قال: ((إن شئتم)). فجعلوا له منبراً.
فلما كان يوم الجمعة دُفِعَ إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي e، فضمها إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسكَّن، قال جابر: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.
قال ابن حجر: "إن حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كلٌ منهما نقلاً مستفيضاً، يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أئمة الحديث ".
قال البيهقي : "قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف , ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف". أي لشهرتها وذيوع أمرها.
قال الشافعي: ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمدًا , فقال له عمرو بن سواد: أعطى عيسى إحياء الموتى؟ قال: أعطى محمداً حنينَ الجِذعِ حتى سمع صوته , فهذا أكبر من ذلك".
قال ابن كثير: "وإنما قال: فهذا أكبر منه؛ لأن الجذع ليس محلاً للحياة، ومع هذا حصل له شعور ووجد لما تحوّل عنه إلى المنبر، فأنّ وحنّ حنين العِشار [أي الناقة الحامل]، حتى نزل إليه رسول الله e ، فاحتضنه.. ".
استجابة الله دعاءه r
ومن باهر ما يدل على النبوة إجابة الله دعاء النبي حين يدعوه، فإذا ما رفع نبي الله يديه داعياً ربه ومولاه ؛ قبِل الله دعاءه وأجابه، وتكرارُ ذلك وديمومتُه دليل على صدقه، لأن الله لا يؤيد كاذباً ولادعياً يدعي عليه الكذب ، فالكاذب من أظلم الناس وأبعدهم عن الله ] فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون [ (يونس: 17).
من دلائل نبوته استجابة الله دعاءه عليه الصلاة والسلام، فإن الله لا يؤيد بتأييده الكاذب الذي يلجأ إليه، بل يهلِكُه ويفضَحُه، كما قال موسى مخاطباً بني إسرائيل: }وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى { (طه: 61) فالمفترون على الله لا يؤيدهم الله بعونه، ولا يُمِدهم بمدده، قال تعالى: } قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ { (يونس: 69) ، وقال: } إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ { (الزمر: 3).
لكن النبي e ما خاب ولا خسر، بل هُدي وأفلح في كل صعيد، فدينُه أعظمُ الأديان في الأرض وأكثرُها – بحمد الله - انتشاراً.
ولو كان يتقوّل على ربه النبوة والرسالة لخذله الله وأهلكه، كما قال الله: } وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ % لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ % ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ % فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[ (الحاقة:41-47).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعلوم أن من عوّده الله إجابة دعائه، لا يكون إلا مع صلاحه ودينه، ومن ادّعى النبوة، لا يكون إلا من أبرّ الناس إن كان صادقاً، أو من أفجرهم إن كان كاذباً، وإذا عوّده الله إجابة دعائه، لم يكن فاجراً، بل برّاً، وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا براً ، تعيّن أن يكون نبياً صادقاً، فإن هذا يمتنع أن يتعمّد الكذب، ويمتنع أن يكون ضالاً يظن أنه نبي".
وقد وقعت هذه الآية البينة لنبينا e، فأجاب الله دعاءه r في مواطن كثيرة، كل منها دليل من دلائل النبوة الشاهدة على صدقه r .
وقف النبي e على المنبر يخطب الجمعة ، وقد أصاب الناس سنة جدب ، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال, وجاع العيال، فادع الله لنا.
يقول أنس بن مالك: فرفع يديه، وما نرى في السماء قزْعة [أي قطعة من السحاب]، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال, ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته r , فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه، حتى الجمُعَة الأخرى.
وفي الجمعة الأخرى قام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا)).
يقول أنس: فما يشير بيده إلى ناحيةٍ من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجَوْبة ، وسال الوادي قناة شهراً، ولم يجىء أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدّث بالجُوْد".
لقد نزل المطر بدعائه r واستمر أسبوعاً ، ثم توقف بدعائه r بعد أسبوع من هطوله، كما انفرجت السحابة عن المدينة لقوله: ((اللهم حوالينا ولا علينا))، ، أليس ذلك كلُه من أمارات نبوته وعلامات صدقه؟
قال النووي: "ومراده بهذا؛ الإخبار عن معجزة رسول الله r وعظيم كرامته على ربه سبحانه وتعالى، بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلاً بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزَع، ولا سببٍ آخر، لا ظاهرٍ ولا باطن".
وقال ابن حجر: "وفيه عَلَمٌ من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام عقِبه أو معَه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة".
وصدق من قال:
دعـا الله خالقه دعـوة أجيبت وأشخص منه البصر
ولم يك إلا كـقلب الرداء وأسـرع حتى رأينـا المطر
وخدم أنس بن مالك النبي e ، فكافأه النبي e بدعوة أجابها الله تعالى، فعاش أنس مجللاً ببركتها مائة سنة.
يقول أنس t: جاءت بي أمي إلى رسول الله r، وقد أزّرتني بنصف خمارها، وردّتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله، هذا أُنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له.
فقال: ((اللهم أكثِر ماله وولده))، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي ووَلَدَ وَلَدي ليتَعادُّون على نحو المائة اليوم.
وفي رواية أخرى قال أنس: فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به قال: ((اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارك له فيه)).
وقد أجاب الله دعوة نبينا، يقول أنس: (فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفن لصُلبي مقدَم حجاجٍ البصرةَ بضعٌ وعشرون ومائة).
قال ابن حجر: "وفيه التحدّث بنعم الله تعالى، وبمعجزات النبي r لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد".
كما دعا بالبركة لعروةَ البارقي في ماله، فقد أعطاه النبي e ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
وفي رواية أخرى أنه r قال: ((اللهم بارك له في صفْقة يمينه)). يقول عروة: فلقد رأيتُني أقف بكُناسة الكوفة فأربحُ أربعينُ ألفاً قبل أن أصِل إلى أهلي".
قال ابن حجر: "المقصود منه الذي يدخل في علامات النبوة دعاء النبي e لعروة فاستجيب له، حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه".
وإذا أردنا أن نعرف سر الحافظة التي أوتيها راوية الإسلام أبو هريرة، فلنستمع إليه وقد جاء إلى النبي r يشكو كثرة نسيانه ، فيقول: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساهُ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((ابسط رداءك))، فبسطتُه، قال: فغرفَ بيديه، ثم قال: ((ضُمّه))، فضممتُه، فما نسيتُ شيئاً بعده.
قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، ومعجزة واضحة من علامات النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يَكثُر منه، ثم تخلف عنه (أي النسيان) ببركة النبي r".
وثمة دعوة أخرى من رسول الله r نال أبو هريرةَ خيرَها، ألا وهي دعاء النبي r لأمِّه بالهداية، فقد كان يدعوها إلى الإسلام، وهي مشركة تأبى الإسلام وتصده عنه، يقول أبو هريرة: فدعوتُها يوماً، فأسمعتني في رسول الله r ما أكره، فأتيتُ رسولَ الله r وأنا أبكي، قلتُ: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى عليّ، فدعوتُها اليومَ، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهديَ أمَّ أبي هريرة.
ولم يخيب رسولُ الله r صاحبَه الوفي، فقال: ((اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة))، فخرج مستبشراً فرحاً بدعوة نبي الله r ، يرجو أن تكون سبباً في إسلام أمه.
يقول: فلما جئت، فصِرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعتْ أمي خَشْفَ قدميّ [أي صوت مشيي]، فقالت: مكانكَ يا أبا هريرة، وسمعتُ خضْخضَة الماء، فإذا هي تغتسل للإسلام، وتشهد بشهادة التوحيد.
قال: فرجعتُ إلى رسول الله r ، فأتيتُه وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أمَّ أبي هريرة.
لقد أتى t أول النهار وهو يبكي حُزناً على تمنُّعِ أمِّه عن الإسلام وسِباِبها للنبي r ، فما لبِث أن عاد يبكي فرَحاً بإسلامها ببركة دعاء النبي r .
قال النووي: "وفيه استجابة دعاء رسول الله r على الفَور بعين المسؤول، وهو من أعلام نبوته r".
وسرورُ أبي هريرة وفرحُه لم ينسياه أن يطلب من النبي r دعوةً ثالثة، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يحبِّبَني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحبِّبَهم إلينا. فقال رسول الله r: ((اللهم حبب عُبَيدَك هذا (يعني أبا هريرة) وأمَه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهمْ المؤمنين)).
يقول أبو هريرة: فما خُلِق مؤمن يسمع بي ولا يراني؛ إلا أحبني.
وهكذا فحبُ المؤمنين في كل عصر لراوية الإسلام العظيم أبي هريرة، هو دليل باهر وبرهان ظاهر على استجابة الله دعاء نبيه وحبيبه r.
وأما عبدُ الله بن عباس حبرُ الأمة وتَرْجُمَانُ القرآن، فإن ما أوتيَه من العلم والحكمة كان بفضل دعاء النبي r له، وذلك أنه لما كان غلاماً جهز وَضُوءَ النبي r فقال النبي شاكراً صنيعه: ((اللهم فقهه في الدين)).
وفي مرة أخرى وضع سول الله r يده على كتِف ابن عباس وقال: ((اللهم فقهه في الدين، وعلِّمه التأويل)).
وهذه الدعوة مما تحقق إجابةُ اللهِ النبيَ r فيها، فقد كبِر ابن عباس، فكان عمر يُجلِسه مع أكابر الصحابة يستشيره ويأخذ برأيه، على حداثة سنه، فقد فاق أقرانه، بما آتاه الله من الفقه في الدين وما علمه من محاسن التأويل، حتى صح عن ابن مسعودٍ فقيهِ الصحابة أنه قال فيه: " لو أدرك ابنُ عباس أسنانَنا؛ ما عاشره منا رجل" أي لنبوغه وفقهه، وكان يقول: " نِعم تَرْجُمَانُ القرآنِ ابنُ عباس ".
وكما يستجيب الله دعاء أنبيائه لأصحابهم فإنه يستجيب لهم إذا دعوا على الكافرين بنبوته
فقد أجاب الله دعاء نوح عليه السلام لما قال: }رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً { (نوح: 26)، فاستجاب الله له وأغرق الكافرين } فدعا ربه أني مغلوبٌ فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ * وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر * وحملناه على ذات ألواحٍ ودسرٍ * تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كفر { (القمر: 10-14).
وموسى عليه السلام ، دعا فرعونَ الطاغيةَ إلى توحيد الله وطاعته، فأبى واستكبر، فدعا عليه : }وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{ (يونس: 88)، فاستجاب الله دعاءه، فغرق فرعونُ وملأُه، وجعل يصرخ عند الموت } حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ { (يونس: 90).
وهكذا كان حالُ خاتم النبيين r ، فقد سجد r ذات مرة، فوضع المشركون سلا الجزور وقذرَها على ظهره الشريف، وأخذوا يتضاحكون، فدعا عليهم عليه الصلاة والسلام وقال: ((اللهم عليك بقريش)) ثلاث مرّات، يقول ابن مسعود: فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته.
ثم قال: ((اللهم عليك بأبي جهلِ بن هشام، وعتبةَ بنِ ربيعةَ، وشيبةَ بنِ ربيعةَ، والوليدِ بن عتبةَ، وأميةَ بنِ خلفٍ، وعقبةَ بنِ أبي مُعَيط)).
يقول ابن مسعود t: وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمداً r بالحق لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب، قليبِ بدر.
قال ابن حجر: "وهذا يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه عَلمٌ عظيم من أعلام النبوة".
ولما هاجر e إلى المدينة ورأى إدبار قريش وإعراضهم، قال: ((اللهم سبعٌ كسبع يوسف)).
قال ابن مسعود: فأخذتهم سَنةٌ حصّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء، فيرى الدخان من الجوع.
فأتاه أبو سفيان، فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ الله لهم.
وفي رواية لأحمد في مسنده أن أبا سفيان قال: أي محمد، إن قومك قد هلكوا، فادع الله عز وجل أن يكشف عنهم، قال: فدعا ثم قال: ((اللهم إن يعودوا فعُدْ )).
ثم قرأ r: ]فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين[ إلى قوله: }إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون{ (الدخان: 10-16) قال: فالبطشةُ يومُ بدر.
لقد علم كفار قريش أن رسولَ الله مجابُ الدعوة عندَ الله ، فجاؤوا يطلبون السقيا بدعائه، لأنهم علموا أن الله لا يرد نبيه وحبيبه e } فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون { (الأنعام: 33).
وقعد بُسرٍ الأشجعي بين يدي النبي e، وجلس يأكل بشماله، فلما ذكره رسول الله e بالأكل باليمين استكبر عن قبول الحق فقال: لا أستطيع، فقال النبي e: ((لا استطعت، ما منعه إلا الكبر))، قال: فما رفعها إلى فيه. أي عاجلته استجابة الله ، فشُلت يمينه للتو، بدعاء النبي r عليه ، جزاءَ استكباره عن قبول الحق والإذعان له.
وحاقت دعوته أيضاً بأعرابي دخل عليه النبي يَعُوده في مرضه، فقال e مواسياً: ((لا بأسَ، طهور إن شاء الله))، فأجاب الأعرابي بجواب ملؤه القنوط وسوء الظن بالله: قلتَ: طهور؟ كلاّ، بل هي حمّى تفور أو تثور، على شيخ كبير تُزيرُه القبور، فقال النبي r : ((فنَعَمْ إذاً)).
قال ابن حجر: "في بعض طرقه زيادة تقتضي إيراده في علامات النبوة، أخرجه الطبراني وغيره ... وفي آخره: فقال النبي r: ((أما إذا أبيتَ فهي كما تقول، قضاءُ الله كائن)) فما أمسى من الغد إلا ميتاً".
واستهزأ عتيبة بن أبي لهب بالقرآن ، فكتب مع أبويه في سجل الهالكين؛ فقد دعا عليه النبي e أن يموت بين أنياب السبُع، فقال: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك))، فكانت دعوة نبي لم يردها الله، بل أجابها، حين خرج عتيبة في قافلة يريد الشام، فنزل منزلاً، فقال : إني أخاف دعوة محمد e.
فحطوا متاعهم حوله، وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد فانتزعه، فذهب به.
وفي رواية لابن عساكر أن أبا لهب قال: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد.
ولله در حسان بن ثابت t وهو يقول:
من يُرجع العام إلى أهله فما أكيلُ السبعِ بالراجع
تكثير الطعام والشراب والوضوء ببركة النبي r
إن من دلائل النبوة التي تشهد بالنبوة للأنبياء ما يجعله الله على أيديهم من البركة التي ينتفع بها الناس.
قال الله على لسان نبيه المسيح: ) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً % وجعلني مباركاً أين ما كنت ‎وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ( (مريم : 30-31).
ونبينا r أيضاً كان نبياً مباركاً ، وكان ما ساقه الله من البركة على يديه دليلاً ساطعاً وبرهاناً دامغاً على نبوتِه ورسالته.
وقد كثُرت في ذلك الأخبارُ وتكاثرت وهي تتحدث عما كتب الله من تكثير القليل ببركة نبيه e، وحملتها إلينا الأسانيد الصحاح التي بلغتْ بها مَبلغَ التواتر، قال النووي: "وقد تظاهرت أحاديثُ آحادٍ بمثل هذا، حتى زاد مجموعها على التواتر، وحصل العلمُ القطعيُ بالمعنى الذي اشتركت فيه هذه الآحاد، وهو انخراق العادة بما أتى به r من تكثيرِ الطعامِ القليلِ الكثرةَ الظاهرة، ونبعِ الماء وتكثيرِه، وتسبيحِ الطعام، وحنينِ الجِذْعِ وغيرِه ... ".
ومن هذه الأخبار الكثيرة التي تواتر معناها ما رواه لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حيث قال: توفي أبي وعليه دينٌ، فعرضتُ على غرمائه في الدين أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاءً.
يقول جابر: فأتيت النبي r فذكرتُ ذلك له، فقال: ((إذا جَدَدتَه فوضعتَه في المِرْبَد آذنتَ رسول الله r))، أي طلب منه إذا جمع التمر في أوعيته أن يخبر النبي r.
قال جابر : فجاء رسول الله r ومعه أبو بكر وعمر، فجلس على المِربَد، ودعا بالبركة، ثم قال r: ((ادعُ غرماءَك فأوفِهم))، قال جابر: فما تركتُ أحداً له على أبي دَيْنٌ إلا قضيتُه، وفَضَل ثلاثةَ عشر وسْقاً ... فوافيتُ مع رسول الله r المغرِب، فذكرتُ ذلك له، فضحك، وقال: ((ائت أبا بكر وعمر فأخبرهُما))، فقالا: لقد علمنا إذ صنعَ رسول الله r ما صنعَ أنْ سيكون ذلك. أي أن أبا بكر وعمرَ توقعا أن يقضي التمرُ الدَّين مع قِلّته، وذلك ليَقِينهما ببركة النبي r.
قال ابن حجر : " وفيه عَلم ظاهر من أعلام النبوة، لتكثيرِ القليل إلى أن حصل به وفاء الكثير، وفَضَل منه".
وأعجب منه رآه جابر في يوم آخر، وذلك يوم الخندق، فقد رأى بالنبي r جوعاً شديداً، يقول: فانكفأتُ إلى امرأتي، فقلتُ لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله r خَمَصَاً شديداً، قال: فأخرجَت لي جِراباً فيه صاعٌ من شعير، ولنا بهيمةٌ داجنٌ، فذبحتُها ... ثم ولّيتُ إلى رسول الله r ، فقالت امراةُ جابر: لا تفضحني برسول الله r ومن معه.
لقد خشيت أن يدعو عدداً لا يكفيه الطعام، فتفضح بين النساء بذلك.
يقول جابر: فجئته r فساررته، فقلتُ: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنتُ صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفرٍ معك.
يقول جابر: فصاح رسول الله r وقال: ((يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع لكم سُوراً فحيَّ هلاً بكم)).
وقال رسول الله r لجابر: ((لا تُنزلِنَّ بُرمَتكم، ولا تخبِزُنَّ عجينَتَكم حتى أجيء)).
قال جابر: فجئت وجاء رسول الله r يَقْدُمُ الناسَ حتى جئت امرأتي، فقالت: بكَ وبكَ.
لقد لامته وقرعته على دعوةِ العدد الكبير إلى طعامهم القليل، إذ ظنت أنه أهمل طلبتها.
يقول جابر: فقلتُ: قد فعلتُ الذي قلتِ لي.
قال جابر: فأخرجتُ له عجينتنا، فبصق فيها وبارك، ثم عمَد إلى بُرمَتِنا فبصق فيها وبارك، ثم قال: ((ادعي خابزةً فلتخبز معَكِ، واقدحي من بُرمتِكم ولا تُنـزِلوها)).
قال جابر: وهم ألفٌ، فأقسم بالله، لأكلوا حتى تركوه .. وإن بُرمَتنا لتغِطُّ كما هي، وإن عجينتنا لتُخبَز كما هو.
لقد أطعم النبي r ألف رجل من طعام لا يكاد يكفي البضعَ من الرجال، يقول النووي: "حديث طعام جابر فيه أنواع من فوائد وجُمَل من القواعد: منها: الدليلُ الظاهر والعلم الباهر من أعلام نبوةِ رسول الله r ... وقد تضمن هذا الحديث عَلَمَينِ من أعلام النبوة: أحدُهُما: تكثيرُ الطعام القليل، والثاني: عِلمُه r بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسةَ أنفسٍ أو نحوَهم سيَكْثُر، فيكفي ألفاً وزيادة، فدعا له ألفاً [أي من أصحابه] قبل أن يصل إليه، وقد عُلم أنه [أي طعامُ جابر] صاعُ شعير وبهيمة".
وأعجب منه وأعظم في البركة ما قصّه علينا عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما حين قال: كنا مع النبي r ثلاثين ومائة، فقال النبي r : ((هل مع أحدٍ منكم طعام؟)) فإذا مع رجل صاعٌ من طعام أو نحوُه، فعُجِن، ثم جاء رجلٌ مشرك مُشعَانٌ طويلٌ بغنم يسوقها، فقال النبي r : ((بيعاً أم عطية؟ أو قال: هِبة؟)) فقال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاةً، فصُنِعَت.
وأمر النبي r بسواد البطن [أي الكبد] أن يُشوى، وأيِّم الله ما في الثلاثين والمائة إلا قد حَزّ له رسول الله r حُزَّة من سواد بطنها، إن كان شاهداً أعطاه إياه، وإن كان غائباً خبّأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، فَفَضَلت القصعتان، فحملناه على البعير.
قال النووي : " وفي هذا الحديث معجزتان ظاهرتان لرسول الله r : إحداهما: تكثيرُ سوادِ البطن حتى وسِع هذا العدد، والأخرى تكثير الصاع ولحم الشاة حتى أشبعهم أجمعين ، وفَضَلَت منه فَضْلةً حملوها لعدم حاجة أحد إليها".
وأدرك أبو هريرة t ما عليه النبي e من البركة، فطمع أن ينال حظه منها، فأتى النبي r بتمرات فقال: يا رسول الله، ادع الله لي فيهن بالبركة، قال: فصَفّهن بين يديه، ثم دعا، فقال لي: ((اجعلهن في مِزْود [وعاء]، وأدخل يدك ولا تَنثُرْه)) قال: فحملت منه كذا وكذا وسْقاً في سبيل الله، ونأكل ونطعِم، وكان لا يفارق حقوي [أي معْقِدَ الإزار].
فلما قتل عثمان رضي الله عنه انقطع المِزود عن حقويّ، فسقط.
لقد بقي t يأكل من الجراب زُهاء خمس وعشرين سنة، كل ذلك ببركة النبي r ، ليكونَ شاهداً آخرَ على نبوة النبي r.
ولما أورد القاضي عياض أحاديثَ في بركات النبي r من تكثير الطعام وبركة الدعاء قال: "وقد اجتمع على معنى حديثِ هذا الفصلِ بضعةَ عشر من الصحابة، رواه عنهم أضعافُهم من التابعين، ثم من لا ينعدُّ بَعدَهم، وأكثرها في قصصٍ مشهورة ومجامعٍ مشهودة، ولا يمكن التحدّث عنها إلا بالحق، ولا يسكت الحاضر لها على ما أُنكِر منها".
وهكذا فإنه يرى هذه الأخبارٌ منقولة بطريق أشبه التواتر، فقد شهد كلَّ واحدة منها الكثيرون من الصحابة وغيرِهم، فلم يعارِض أحدٌ رواتَها، وهم يروون هذه الأخبار لشهرتها وصدقها.
ويخرج سلمةَ بنِ الأكوع مع رسول الله r في غزوة فأصابهم جَهدٌ، حتى همّوا بنحر بعض إبِلِهِم، يقول سلمة: فأمر نبي الله r ، فجمعنا مزاوِدَنا، فبسطنا له نِطَعاً، فاجتمع زاد القوم على النِطَع.
قال سلمة: فتطاولتُ لأَحزِرَه كم هو؟ فحَزرْتُه كرَبضة العنْز ، ونحن أربعَ عشرةَ مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً، ثم حشونا جُرُبَنا، فقال نبي الله r : ((فهل من وضوء؟)) قال: فجاء رجلٌ بإدَاوةٍ له، فيها نُطفَة [أي القليل من الماء]، فأفرغها في قَدَح، فتوضأْنا كلُنا.
قال النووي : " وفي هذا الحديث : معجزتان ظاهرتان لرسول الله r ، وهما: تكثيرُ الطعام وتكثير الماء هذه الكثرةَ الظاهرة، قال المازِرِي: في تحقيق المعجزة في هذا، أنه كلما أُكِل منه جزءٌ أو شُرِب جزء، خلق الله تعالى جزءاً آخر يخلُفُه ".
ومن أخبار بركاته r المتكاثرة المتواترة في معناها، ما رواه الإمـام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي e في مسير، قال: فنفِدَت أزواد القوم، حتى هَمّ بنحر بعضِ حمائلهم. فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعتَ ما بقي من أزواد القـوم، فدعوتَ اللهَ عليها.
قال أبو هريرة: ففعل .. فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزوِدَتهم. فقال e عند ذلك: ((أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غيرَ شاك فيهِما، إلا دخل الجنة)).
لقد بارك الله فيما تبقى من أزوادهم، فكَثُر قليلُ طعامهم ببركة النبي e ، قال النووي: "وفي هذا الحديث عَلم من أعلام النبوة الظاهرة ، وما أكثرَ نظائرَه التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي، وقد جمعها العلماء، وصنفوا فيها كتباً مشهورة".
وفي دليل آخر من دلائل نبوته e يروي الشيخان في الصحيحين أن أبا طلحة دخل ذات يوم على زوجه أمِ سُلَيم، فقال لها: لقد سمعتُ صوتَ رسول الله r ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم.
قال أنس: فأخرجتْ (أي أمه أم سُليم) أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها، فلفّتِ الخبز ببعضه، ثم دسّته تحت يدي، ولاثتني ببعضه (أي لفتني ببعضه)، ثم أرسلتني إلى رسول الله e.
فذهبتُ به، فوجدتُ رسول الله r في المسجد ومعه الناس، فقُمتُ عليهم، فقال لي رسول الله r: آرسلكَ أبو طلحة (أي: هل أرسلكَ أبو طلحة)؟ فقلت: نعم. قال: بطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله r لمن معه: قوموا.
قال أنس: فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرتُه، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله r بالناس، وليس عندنا ما نطعِمُهم؟ فقالت: الله ورسوله أعلم.
فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسولَ الله r، فأقبل رسولُ الله r وأبو طلحةَ معه، فقال رسول الله r : هلُمي يا أم سُليم، ما عندك؟
فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله r ففُتَّ، وعَصرت أم سليمٍ عُكَّةً (قربةً فيها سمنٌ) فأَدَمَتْه (أي جعلته إداماً)، ثم قال رسول الله r فيه ما شاء الله أن يقول (أي من دعاء الله بالبركة).
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((ائذن لعشرةٍ))، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)). فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ..(وهكذا) فأكل القوم كلُّهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً.
قال النووي: "قوله e: ( أرسلك أبو طلحة؟) وقوله : ( ألطعامٍ؟) هذان عَلَمان من أعلام النبوة (أي لإخباره r بما غاب عنه), وذهابُه e بهم علَم ثالثٌ (أي لعلمه e بحصول البركة) , وتكثيرُ الطعام عَلَم رابع ".
وهذه القصة وأمثالُها حضرها الجمع من الصحابة، ولا يمكن الكذب في مثل هذه الأخبار لكثرةِ شهودها وظهورِ خبرها بين الناس.
قال النووي : " إذا روى الصحابي مثل هذا الأمر العجيب , وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة , وهم يسمعون روايته ودعواه , أو بلَغهم ذلك ولا ينكرون عليه, كان ذلك تصديقاً له يوجب العلم بصحة ما قال".
ويروي البخاري عن عمران أن النبي e وأصحابه كانوا في سفر ، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا اثنين من أصحابه، فقال: ((اذهبا فابتغيا الماء))، فانطلقا، فتَلقيا امرأةً بين مزادتين من ماء، على بعير لها .. فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي e بإناء، ففرَّغَ فيه من أفواهِ المزادتين، وأوكأ أفواهَهما .. ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء.
وأما المرأةُ صاحبةُ المزادتين فكانت قائمةً تنظر إلى ما يُفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشدُ مِلأَة منها حين ابتدأ فيها.
وأراد النبي r تطييب خاطرها، فقال: ((اجمعوا لها من بين عجوة ودقِيقَة وسَويقَة)) حتى جمعوا لها طعاماً، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، وقـال لها e: ((تعلمين ما رَزِئْنا من مائِكِ شيئاً (أي لم نُنقِص منه شيئاً)، ولكن الله هو الذي أسقانا)).
فأتت المرأة أهلها وقد احتبست عنهم قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجبُ، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللهِ إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، (أي السماء والأرض) أو إنه لرسولُ الله حقاً.ثم دعت قومها للإسلام، فأسلموا.
لقد استدلت المرأة على صدق النبي e ونبوته بما رأته من دليل باهر ومعجزة عظيمة حصلت ببركة النبي r، لقد شرب القوم من مائها القليل، فكفاهم على الرغمِ من كثرتهم، من غيرِ أن يَنقُص شيء من مائها.
قال ابن حجر: " وقد اشتمل ذلك على عَلمٍ عظيمٍ من أعلام النبوة ... وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده , وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلِطًا, وهذا أبدعُ وأغربُ في المعجزة .. ويُحتمل أن يكون المراد: ما نَقصْنَا من مِقدار مائِك شيئاً ".
وخرج النبي e وأصحابه في سفر فقال: ((إنكم إنْ لا تدركوا الماء غداً تعطشوا)) ... ثم سار وسرنا هُنَيهةً، ثم نزل، فقال: ((أمعكم ماء؟)) قال أبو قتادة: قلتُ: نعم، معي ميضأة فيها شيء من ماء.
فقال e: ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال: ((مَسُّوا منها، مَسُّوا منها))، فتوضأ القوم، وبقيتْ جُرعة، فقال r: ((ازدهر بها (أي احتفظ بها) يا أبا قتادة، فإنه سيكونُ لها نبأ))...
يقول أبو قتادة: فلما اشتدت الظهيرة خرج لهم رسول الله e، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشاً، تقطعت الأعناق، فقال: ((لا هُلْكَ عليكم)). ثم قال: ((يا أبا قتادة ائت بالميضأة))، فأتيتُ بها، فقال: ((اِحلِل لي غُمري)) يعني قدَحَه، فحَللتُه، فأتيتُ به، فجعل يصبُ فيه، ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه.
فقال رسول الله e: ((يا أيها الناس أحسِنوا الملَأْ، فكُلكم سيصدُر عن رِي))، فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغيرَ رسولِ الله e، فصب لي، فقال: ((اشرب يا أبا قتادة)). قلت: أنت يا رسول الله. قـال: ((إن ساقيَ القومِ آخرُهم))، فشربتُ وشرِب بعدي، وبقي في الميضأة نحوٌ مما كان فيها، وهم يومَئذ ثلاثُ مائة.
قال النووي: "وفي حديث أبي قتادة هذا معجزاتٌ ظاهراتٌ لرسول الله e إحداها: إخباره بأن الميضأة سيكونُ لها نبأ، وكان كذلك. الثانيةُ: تكثيرُ الماء القليل. الثالثةُ: قوله e : ((كلكم سيَرْوى)), وكان كذلك".
وقد كان لأهل الصفة أضياف الإسلام نصيب من بركة النبي r ، فقد أمر أبا هريرة t أن يدعو جميع أهل الصُّفَّة، فدعاهم فحضروا جميعاً، ثم قال له النبي r : ((يا أبا هِر)) قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((خذ فأعطهم)) قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشربُ حتى يَرْوى، ثم يردُّ علَيّ القدح، فأعطيه الرجلَ، فيشربُ حتى يَرْوى، ثم يرد عليّ القدح، فيشربُ حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي r وقد رَويَ القومُ كلُهم.
فأخذ القدح ، فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسّم، فقال: ((أبا هِرّ)) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((بقيتُ أنا وأنت))، قلتُ: صدقتَ يا رسول الله، قال: ((اقعد فاشرب))، فقَعَدتُ فشربتُ، فقال: ((اشرب)) فشرِبتُ، فما زال يقول: ((اشرب)) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسْلَكاً، قال: ((فأرني)) فأعطيته القدح، فحمِد الله وسمّى، وشرِب الفَضْلة.
قال ابن حجر : "ووقع في حديث أبي هريرة الماضي في علامات النبوة أنهم كانوا سبعين، وليس المرادُ حصرَهم في هذا العدد، وإنما هي عِدَّةُ من كان موجوداً حين القصة المذكورة ... وفيه معجزة عظيمة، وقد تقدم لها نظائر في علامات النبوة من تكثير الطعام والشراب ببركته r ".
ويحكي لنا سمُرة t آية أخرى ، فيقول: كنا مع النبي e، إذ أُتي بقصعة فيها ثريد، فأكلَ وأكل القوم: فلم يزل يتداولونها إلى قريب من الظهر: يأكل كل قوم ثم يقومون، ويجيء قوم فيتعاقبوه، فقال رجل لسمُرة: هل كانت تُمَدُّ بطعام؟ قال: (أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تُمَد من السماء).
قال المباركفوري: " لا تكون كثرةُ الطعام فيها إلا من عالم العَلاء بنزول البركة فيها من السماء".
وأما دُكَين ٍالخثعمي فقد أتى النبي e يسأله الطعام في رهط من قومه ، وهم أربعونَ وأربعُ مائة. فقال النبي e لعمرَ ين الخطاب: ((قم فأعطهم)).
قال: يا رسـولَ الله، ما عندي إلا ما يَقيظُني والصبيةَ. قال: ((قم فأعطِهم(( ، قال عمر: يا رسولَ الله سمعاً وطاعة.
قال دُكَين: فقام عمر، وقمنا معه، فصعد بنا إلى غرفةٍ له، فأخرج المفتاح من حُجزَتـِه ففتح الباب، فإذا بالغرفة شبيه الفصيل الرابض قال: شأنكم، فأخذ كل رجل منا حاجَته ما شاء الله. قال دُكين: ثم التفتُ، وإني لمن آخرهم، وكأنا لم نرْزَأْ منه تمرة. أي لم ينقص التمر شيئاً.
وهكذا نرى تكرر هذه الأخبار التي شهدها جموع الصحابة، فهي أصدقُ الأخبار وأوثقُها، وهي بمنزلة المتواتر المقطوع بصحته وحجيته لتكرر أفرادها.
قال النووي عن أمثال هذه المعجزات: " تواترت على المعنى كتواتُرِ جودِ حاتِمِ طيئ وحِلمِ الأحنفِ بنِ قيس, فإنه لا ينقل في ذلك قصةٌ بعينِها متواترة , ولكن تكاثرت أفرادُها بالآحاد , حتى أفاد مجموعُها تواترَ الكرمِ والحِلْم (أي لحاتم والأحنف), وكذلك تواترُ انخراقِ العادةِ للنبي r بغيرِ القرآن".
وكما ظهرت بركة النبي e في الطعام والشراب؛ فإنها ظهرت في تكثيره لماء الوضوء حين احتاج الصحابة لذلك، يقول أنس t : (رأيتُ رسول الله r وحانت صلاةُ العصر، فالتمس الناسُ الوَضُوءَ فلم يجدوه، فأُتي رسولُ الله r بوَضوءٍ، فوضع رسولُ الله r في ذلك الإناءِ يدَه، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال أنس: فرأيتُ الماء ينبع من تحت أصابعه، حتى توضؤا من عندِ آخرهم).
وفي رواية لأحمد من حديث ابن مسعود أنه قال: ((فرأيتُ الماءَ يتفجرُ من بين أصابع النبي r ثم قال: ((حي على الوَضُوء، والبركةُ من الله)).
قال جابر : كنا ألفاً وخمسَ مائة.
قال الطيبي: "وإنما طلب فَضْلةً من الماء كيلا يُظَنَّ أنه r مُوجِد الماء، فإن الإيجاد إليه سبحانه، وإليه أشار بقوله r : ((والبركةُ من الله)) أي أن هذا الذي رأيتم من زيادة الماء أيضاً ليس مني، إنما هو بركةٌ من الله تعالى وفضل". إنه دليلٌ آخرُ من دلائل نبوته r.
ويروي الشيخان عن أنسِ بنِ مالكٍ شاهداً آخر من شواهد نبوته ودلائل رسالته، فيقول: كان النبي r وأصحابه بالزَوراء، والزَوراء موضع في المدينة.
قال أنس: فدعا r بقدحٍ فيه ماء، فوضع كفّه فيه، فجعل ينبُع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال قتادة: كم كانوا يا أبا حمزة؟ فقال أنس: كانوا زُهاء الثلاثِ مائة.
قال القاضي عياض : "هذه القصة رواها الثقاتُ من العدد الكثير عن الجم الغفير، عن الكافّة متصلةً بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل ومَجمَع العساكر، ولم يرد عن أحد منهم إنكارٌ على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي من معجزاته".
وفي يوم الحديبية عطش الناس ولم يجدوا ماء لإلا قليلاً بين يدي النبي e في رَكْوة، فتوضأ، فجَهٍش الناس نحوه (أي تسابقوا إلى الماء لقلته) فقال: ((مالكم؟)) قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأُ ولا نشربُ إلا ما بين يديك، فوضع يده r في الركوة، فجعل الماء يثورُ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. فسأل سالم راوي الحديث جابراً: كم كنتم؟ فقال مستنكراً: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمسَ عشرةَ مائة (أي ألفاً وخمسَ مائة).
قال القرطبي : "قضية نبع الماء من بين أصابعه r تكررت منه في عدة مواطن في مشاهدَ عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعُها العلمَ القطعيَ المستفادَ من التواتر المعنوي".
وروى الشيخان في صحيحيهما عن أنس t أن النبي r دعا ذات يوم بماء، فأُتي بقدح رَحراحٍ [أي متسعِ الفم]، فجعل القوم يتوضؤون.
ويذكر لنا أنس عدد من كفاهم هذا الماء، فيقول : (فحزِرت ما بين الستين إلى الثمانين، قال أنس: فجعلت أنظرُ إلى الماء، يَنبُعُ من بين أصابعه).
قال النووي: "وأكثر العلماء أن معناه: أن الماءَ كان يخرج من نفسِ أصابعه r , وينبُع من ذاتها. قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجرٍ ... يُحتَمل أن الله كثّرَ الماء في ذاته, فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسِها, وكلاهما معجزةٌ ظاهرة, وآية باهرة ".
وروى الحاكم عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي e وأبو بكر مستخْفيين (أي في الهجرة من مكة) مراً (بعبد) يرعى غنماً، فاستسقَياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تُحلب غير أن ههنا عِناقاً حَملت أول الشتاء، وقد أخدجَت (أي أسقطت ولم تكمل حملها)، وما بقى لها لبن، فقال r: ((ادعُ بها))، فدعا بها، فاعتقلها النبي e، ومسح ضَرعها، ودعا حتى أنزلت (اللَبن) قال: وجاء أبو بكر t بمِحْجَن فحلب r، فسقى أبا بكر، ثم حلب، فسقى الراعي، ثم حلب فشرب.
فقـال الراعي: بالله من أنت؟ والله ما رأيتُ مثلَك قط؟ قال: ((أوَ تُراكَ تكتُم عليَّ حتى أخبرْك؟)) قال: نعم. قال: فإني)) محمد رسول الله)) فقال: أنتَ الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنه ليقولون ذلك.
قال: فأشهدُ أنك نبي، وأشهد أن ما جئتَ به حق، إنه لا يفعلُ ما فعلتَ إلا نبي، وأنا متبعُك. قال: ((إنك لا تستطيع ذلك اليوم. فإذا بلغك أني قد ظهرتُ فأْتِنا)).
روى الإمام أحمد في مسنده مثلَه عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي مُعيط، فمر بي رسول الله e، وأبو بكر فقال: ((يا غلام هل من لبن؟)) قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن. قال: ((فهل من شاة لم ينزُ عليها الفحل؟)) فأتيته بشاة فمسح ضروعها، فنزل لبنٌ، فحلبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: ((اقلِص))، فقلَص.
قال ابن مسعود: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول. قال: فمسح رأسي، وقال: ((يرحمك الله، فإنك غُليم مُعلَّم).
قال أبو المحاسن الحنفي : "سأله شاة لم يصبها فحل، ليريه في ذلك آيةً معجزة تقوم له بها الحجة عليه وعلى غيره، وفي ذلك منفعة لصاحب الشاة بتلبين ضرعها، فلم يكن له في اللبن حق، لأن الله تعالى جعله في ضرعها حينئذ ... فلذلك شربه r وسقاه أبا بكر".
ومن دلائل نبوته e وأخبار بركته ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث بريدة t ، وهو يحكي خبر عِتاق سلمان من سيده اليهودي، حيث شرط اليهودي عليه أن يغرس نخلاً، فيعملَ سلمان فيها حتى يَطْعَم (النخلُ).
قال بُريدة: فغرس رسول الله e النخل إلا نخلةً واحدةً غرسها عمر، فحملتِ النخل من عامها، ولم تحمل النخلة (أي التي زرعها عمر) فقال رسول الله e: ((ما شأن هذه؟)) قال عمر: أنا غرستُها يا رسولَ الله. فنزعها رسول الله e ثم غرسها، فحملت من عامها.
والمعلوم عند الزُّراع أن النخل لا يثمر إلا بعد غرسه بدهر طويل، وحملُ النخل في سنة غِراسه معجزة ظاهرة للنبي e ودليل باهر من دلائل نبوته، إذ تم ذلك ببركة الله لهذا النبي العظيم.
ومن هذه الأخبار ما جاء في حديث مسلم عن جابر t أن النبي r كان في سفر مع أصحابه، فقال: يا جابر ناد بوَضوء، فقلت: ألا وَضوء، ألا وَضوء، ألا وَضوء.
ولما لم يردَّ أحد قلتُ يا رسول الله، ما وجدتُ في الركبِ من قطْرة، وكان رجل من الأنصار يبرِّد لرسول الله e الماء في أشْجابٍ له.
قال جابر: فقال لي: انطلق إلى فلان ابن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ فانطلقتُ إليه، فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلا قطرة، لو أني أُفرِغُه لشرِبه يابِسه (أي يابسُ السِقاء لقلة مائه)، فأتيت رسول الله e فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة...
قال: اذهب، فأتني به، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه فقال: يا جابر ناد بجفْنَة (وهي إناء كبير يأكل منه العشرة من الرجال)... فأُتيتُ بها تُحمل، فوضعتُها بين يديه، فقال رسول الله e بيده (أي وضعها) في الجفنَة هكذا، فبسطها، وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة.
وقال: خذ يا جابر، فصُب علي (أي قطرة الماء التي وجدتها عند الأنصاري)، وقل: باسم الله، فصببتُ عليه وقلت: باسم الله.
فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله e ، ثم فارت الجفنة (بالماء)، ودارت حتى امتلأت فقال: يا جابر، ناد من كان له حاجةٌ بماء؟ قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا. فقلتُ: هل بقي أحدٌ له حاجة، فرفع رسول الله e يده من الجفنة وهي ملأى.
قال المُزني: "نبع الماء من بين أصابعه e أبلغ في المعجزة من نبعَةِ الماء من الحجر حيث ضربه موسى عليه السلام بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم ".
وصدق القائل:
وإن كان موسى أنبع الما من العصا فمن كفه قد أصبح الماء يطفح
وقال القرطبي: "هذه المعجزة تكررت من النبي r مرات عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرقٍ صحيحة من رواية أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته".
وروى البخاري في صحيحه أن النبي r نزل بالناس يوم الحديبية بأقصاها على ثَمَد قليلِ الماء يتبرَّضُه الناس تبرُضاً، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله e العطشُ، فانتزع سهماً من كِنانته، ثم أمرهـم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرَّي، حتى صدروا عنه.
قال ابن حجر : " وفي هذا الفصل معجزاتٌ ظاهرة , وفيه بركةُ سلاحه وما ينسب إليه , وقد وقع نبعُ الماء من بين أصابعه في عِدة مواطن ".
يروي الإمام مسلم أن معاذ بن جبل رضي الله عنه رأى عين تبوك حين أتاها مع رسول الله غازياً، فوصف قلة مائها فقال: والعين مثل الشِراك تَبِضُّ بشيء من ماء، فجعل الصحابة يغرفون بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع لهم شيء من مائها.
قال معاذ: وغسل رسول الله r فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر - أو قال: غزير - حتى استقى الناس، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((يوشك يا معاذ - إن طالت بك حياة - أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً)).
وفي هذا الخبر دليلان من دلائل النبوة: أولهما: تفجر العين ببركة دعاء النبي r، والآخر: إخبار النبي r بما نراه اليوم من وفرة المياه واتساع الرقعة الخضراء في منطقة تبوك، وهي طليعة عود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً.
وهذه الأخبار المتواترة المتكاثرة تشهد ببركة النبي r ، وهذه البركة ليست موروثاً يحمله الأحفاد من الأجداد ، ولا علماً يتلقاه المرء بالكد والاجتهاد، إنه عطيةُ الله وبركتُه يؤتيها من شاء، فلِمَ أعطاها محمداً r إنْ لم يكن لنبوتِه ورسالتِه؟
روى الشيخان دليلاً باهراً آخرَ من دلائل نبوته r، فعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: توفي رسول الله e، وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطرُ شعيرٍ في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال علي، فكِلته ففني.
وروى مسلم مثل هذا الخبر في البركة عن جابر أن رجلاً أتى النبي e يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفَهما حتى كاله، فأتى النبي e، فقال عليه الصلاة والسلام: لو لم تكِله لأكلتم منه، ولقام لكم.
وروى مسلم أيضاً مثلَ هذا الخبر في قصة أم مالك، وكانت تهدي سمناً للنبي e في عُكّة لها، فيأتيها بنوها، فيسألون الأُدْم (أي ما يؤتدَم به الخبر، وهو ما يسمى في أيامنا إداماً)، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي e ، فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم لها أُدْمَ بيتِها حتى عصرته، فأتت النبي e فقال: ((عصرتيها؟)) قالت: نعم قال: ((لو تركتيها ما زال قائماً)).
قال النووي: " قوله e: ( لو تركتيها ما زال قائمًا ) أي موجودًا حاضراً" .
ثم بين رحمه الله سبب فناء سمنِ العُكّة والشعير حين كيل أو عُصِر، فقال: " الحكمة في ذلك أن عصرَها وكَيلَه مضادةٌ للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى, ويتضمن التدبيرَ , والأخذَ بالحول والقوة, وتكلُفَ الإحاطةِ بأسرار حِكم الله تعالى وفضله , فعوقب فاعله بزواله". أي كأنه خرج من التسليم لقدرة الله وعظيمِ فِعله، إلى الطمع في معرفة سبب أرضي ومادي له، فانقطع لذلك.
شفاء المرضى بنفثه وريقه e
ولما أرسل الله نبيه وكلمته المسيح عليه السلام، آتاه من الآيات ما يقيم به الحجة على بني إسرائيل، ومن ذلك إبراء الله الأكمه والأبرص على يديه ]وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني [ (المائدة: 110)، فكان برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً عند قومه على نبوته e.
وكذلك أيد الله خاتم أنبيائه وعظيم رسله بمثل هذا الدليل والبرهان ، حين شفى على يديه بعضاً من أصحاب النبي e.
ومن ذلك أنه ما جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد t أن النبي e قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُ اللهَ ورسولَه، ويحبُه اللهُ ورسولُه))، قال: فبات الناس يدوكون (أي يتحدثون) ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غَدوا على رسول الله e كلهم يرجون أن يُعطاها.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((أين عليُ بنُ أبي طالب؟)) فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، فقال: ((فأرسلوا إليه))، فأُتي به t، فبصق رسول الله e في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. قال الشوكاني: "فيه معجزة ظاهرة للنبي e ".
وفي رواية لابن ماجه أنه e تفل في عينيه وقال: ((اللهم أذهب عنه الحر والبرد)) قال علي: فما وجدت حراً ولا برداً بعد يومِئذ ، وكان أصحابه ربما رأوه يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف.
وقبل أن يغادر النبي e أرض خيبر حقق آية أخرى تدل على نبوته ورسالته، فقد شفى الله بنفثه ساق سلمة بن الأكوع الذي أصيب في الغزوة، فقد روى البخاري في صحيحه عن يزيد بن أبي عُبيد قال: رأيت أثرَ ضربةٍ في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أُصيب سلمة، فأتيت النبي e، فنفث فيه ثلاث نَفَثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.
إن الجموع التي رأت ساق سلمة مضرجة بدمائها، ثم رأوه لا يشتكي منها ألماً ولا وجعاً ببركة ريق النبي e ونفثه عليها، إن هذه الجموع لا يسعها أمام هذه المعجزة الباهرة إلا أن تشهد للنبي e بالنبوة والرسالة، إذ مثل هذا لا يقدر عليه بشر، إنه دليل من دلائل نبوته e.
ويرسل النبي e عبدَ الله بن عتيك ورجالاً من الأنصار لردع سلّامِ بنِ أبي الحُقَيق، وبينما هو راجع في الطريق وقع، فانكسرت ساقه، فعصبها بعمامة، يقول: فانتهيت إلى النبي e، فقال: ((ابسط رجلك))، فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكِها قطّ.
لقد تكرر ذلك منه e مراراً وعلى مراى من الصحابة الكرام، ومن ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت أبي يقول: إن رسول الله e تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله فبرأ. فهل كان هذا من فنون الطب أم معجزة وبرهاناً من براهين نبوته e.
ويروي الشيخان آية أخرى من آيات صدقه وبراهين نبوته، ففي الصحيحين من حديث السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي e فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجِع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربتُ من وَضُوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحَجَلة.
وهذا الخبر فيه دليلان من دلائل نبوته e أولهما: شفاء السائب النبي e حين شرب من ماء وُضُوئه، والثاني رؤيته خاتم النبوة بين كتفي النبوة e.
ويروي الإمامان أحمدُ وابنُ ماجه عن أمُ جُندُب أنها رأت رسول الله e يرمي جمرة العقبة .. فأتته امرأة (خثعمية) بابن لها فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا ذاهب العقل، فادع الله له. قال لها: ((ائتيني بماء)). فأتته بماء في تَورٍ من حجارة، فتفل فيه، وغسل وجهه، ثم دعا فيه، ثم قال: ((اذهبي، فاغسليه به، واستشفي الله عز وجل)).
قالت أم جُندب: فقلت لها: هبي لي منه قليلاً لابني هذا، فأخذت منه قليلاً بأصابعي، فمسحت بها شِقَّة ابني، فكان من أبر الناس.
فسألت المرأة بعد: ما فعل ابنها؟ قالت: برئ أحسن بَرء.
قال السندي: "وفي الحديث معجزة عظيمة له e". أقول: لا، بل هما معجزتان : إحداهما شفاء ابن الخثعمية ببركة مجة النبي e في الماء الذي غسلته أمه فيه، والأخرى: هداية ابن أم جندب بمسح أمه وجهَه ببعض هذا الماء.
ويروي أحمد في المسند عن محمد بن حاطب دليلاً آخر من دلائل نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد أقبلت به أمه أم جميل إلى النبي e، وقد انكفأت قدر تغلي على ذراعه، تقول أم جميل: فأتيتُ بك النبي e فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب، فتفل في فيك، ومسح على رأسك، ودعا لك، وجعل يتفل على يديك ويقول: ((أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)) فقالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك.
ويمضي حديث الحديبية لينقل لنا دليلاً آخر من دلائل نبوته، يمكننا تلمسه من حال الصحابة مع النبي r كما يخبرنا عنه وفدُ قريش، يقول عروة - وهو يومئذ على الكفر -: فوالله ما تنخم رسولُ الله نخَامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهَه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحـدون إليه النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ [أي ما] رأيت مَلكاً قط يعظِّمُه أصحابُه ما يعظـم أصحاب محمد e محمداً.
فوقوع هذه الأخبار غير معتاد ولا مألوف مع أحدٍ من الناس، وحتى الملوكُ لا يُصنَعُ لهم ذلك، وقد فعله أصحاب النبي r معه، لتحققهم من بركة النبي e، ولما عاينوه من آثارها، وهذا النوع من التبرك بشخص النبي r حال حياته مشروع أجمعت الأمة على مشروعيته، وهو دليل آخر من دلائل نبوته e.
و من أعلام نبوته ودلائل رسالته e أنه لما قدم المدينة كانت كما وصفتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أوبأَ أرض الله، فقال e: ((اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومُدّها، وانقل حُّماها، فاجعلها بالجُحفة)). لقد رفع الله الوباء والحمى عن المدينة بدعوة النبي e، فهي أطهر البقاع وأصحها وأبركها بدعوة النبي e.
قال النووي: "وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوة نبينا e ، فإن الجحفة من يومئذ مُجتنبة، ولا يشرب أحد من مائها إلا حُمّ". وقد صدق رحمه الله، فهي مهجورة إلى يومنا هذا.

دلالة القرآن الكريم على نبوته r
إن أعظم دلائل النبوة القرآنُ الكريم، كتاب الله الذي أعجز الأولين والآخرين.
يقول رسول الله r : ((ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحياً أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)).
قال ابن حجر في معنى قوله: ((إنما كان الذي أوتيتُ وحياً )): أي أن معجزتي التي تَحدّيتُ بها، الوحيُ الذي أُنزِل عليّ، وهو القرآن ".
ثم لفت رحمه الله النظر إلى أنه ليس المراد من الحديث حصرَ معجزاته r في معجزة القرآن الكريم فقال: "بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختصّ بها دون غيره r".
وقال ابن كثير في معنى الحديث: " معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله".
وقال ابن القيم في سياق حديثه عن معجزات الأنبياء: "وأعظمها معجزة كتابٌ باقٍ غضٌ طريّ لم يتغيّر, ولم يتبدّل منه شيء، بل كأنه منزّل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كل وقتٍ على الوجه الذي أخبر به".
هذه المعجزة العظيمة تحدى الله بها الأولين والآخرين، ودعاهم للإتيان بمثله حين زعموا أن القرآن من كلامه r، فقال تعالى: ]أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ _ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ[ )الطور: 33-34).
فلما أعجز المشركين أن يأتوا بمثله، تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات من عندِهم، قال تعالى: ]أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ[ (هود: 13).
قال ابن كثير رحمه الله: "بيّن تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثلِه، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاتِه لا تشبه صفاتِ المحدَثات، وذاتَه لا يشبهها شيء ".
فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تحداهم القرآن أن يأتوا بسورة واحدة، قال تعالى: ]وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ[ (البقرة: 23).
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: " ومن حجةِ محمدٍ r على صدقه، وبرهانِه على حقيقةِ نبوته، وأن ما جاء به من عندي (أي من عند الله) ـ عجزُ جميعِكم وجميعِ من تستعينون به من أعوانِكم وأنصاركم، عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجَزتم عن ذلك ـ وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة ـ فقد علمتم أن غيرَكم عما عجَزتم عنه من ذلك أعجَز".
ويبلغ التحدي القرآني غايته حين يخبر القرآن أن عجز المشركين عن محاكاته والإتيان بمثله عجز دائم لا انقطاع له، فيقول: ]فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ[ (البقرة:24).
قال القرطبي : " قوله : ] ولن تفعلوا [ إثارةٌ لهِمَمِهم، وتحريكٌ لنفوسهم؛ ليكونَ عجزُهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآنُ قبل وقوعها".
وحين أراد مسيلمة معارضة القرآن فضحه الله وأخزاه، فكان قوله محلاً لسخرية العقلاء وإعراض البلغاء، فقد قال: "يا ضِفدع، نُقي كما تنُقين ، لا الماء تدركين ، ولا الشراب تمنعين".
وقال أيضاً معارضاً القرآن: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة تسعى ، من بين شراشيف وحشى ".
وأما النضر بن الحارث فصحيحُ قريش وبليغُها، فأتى بالمضحك من القول حين قال: "والزارعات زرعاً. والحاصدات حصداً. والطاحنات طحناً. والعاجنات عجناً. والخابِزات خبزاً….".
وعندما أراد الأديب ابن المقفع معارضة القرآن كلّ وعجِز، وقال: أشهد أن هذا لا يُعارَض، وما هو من كلام البشر.
ومثله صنع يحيى الغزال بليغُ الأندلس وفصيحُها.
وصدق الله العظيم: ]قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[ (الإسراء: 88).
قال ابن سعدي: "وكيف يقدر المخلوق من تراب، أن يكون كلامُه ككلامِ رب الأرباب؟ .. هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوقٍ ومعرفةٍ بأنواع الكلام، إذا وزن هذا القرآنَ العظيمَ بغيره من كلام البُلغاء، ظهر له الفرقُ العظيم".
لقد اعترف أعداء القرآن بعظمة القرآن، وذلّتْ رقابهم لِما سمعوه من محكم آياته، فها هو الوليدُ بنُ المغيرةِ سيدُ قريش، يسمع النبي r وهو يقرأ قوله تعالى: ]إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ (النحل:90).
فيقول قولته المشهورة: "والله إنَّ لقولِه الذي يقولُ لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يُعلا، وإنه ليَحطِم ما تحته".
ولما جاء عتبة بن ربيعة إلى النبي r قرأ عليه النبي r أوائل سورة فصلت، فرجع إلى قريش قائلاً: إني - واللهِ - قد سمعت قولاً ما سمعتُ بمثلِه قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي، خلّوا بين هذا الرجل وبينَ ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعتُ نبأ".
وفي الحديث أيضاً شهد المنصفون من المستشرقين بعظمة القرآن، وسجلت كلماتُهم بحقه المزيدَ من الإعجاب والدَهش، ومنه قول المستشرق (فون هامر) في مقدَمة ترجمته للقرآن، فقد قال: "القرآن ليس دستورَ الإسلام فحسب ، وإنما هو ذِروة البيانِ العربي، وأسلوبُ القرآن المدهش يشهد على أن القرآنَ هو وحيٌ من الله، وأن محمداً قد نشر سلطانَه بإعجاز الخطاب، فالكلمةُ (أي القرآنُ) لم يكن من الممكن أن تكونَ ثمرةَ قريحةٍ بشرية".


حماية الله لنبيهe
وإن من دلائل النبوة حمايةُ الله لأنبيائه إنجاؤه لبعضهم من أيدي أعدائهم، رغم ما يتربص لهم سفهاءُ قومهم من السوء
ولقد قال نوح عليه السلام متحدياً كفارَ قومه: } يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمةً ثم اقضوا إليّ ولا تنظِرون { (يونس:71)، فلم يصلوا إليه بسوء لحماية الله له.
ومثله قول أخيه هود e: }قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريءٌ مما تشركون % من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون % إني توكلت على الله ربي وربكم { (هود: 54-56).
وكذا كان الحال مع نبينا e ، فقد أنجاه الله من المؤامرات التي واجهتْه من لدن بعثتِه عليه الصلاة والسلام، وقد أخبره الله وأنبأه بسلامتِه من كيدهم وعدوانهم ، فقال له: } يـٰأيها ٱلرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وٱلله يعصمك من ٱلناس{ (المائدة: 67).
قال ابن كثير: "أي بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظُك وناصرُك ومؤيدُك على أعدائك ومُظفِرُك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل إليك أحدُ منهم بسوء يؤذيك".
ويروي الإمام الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي e يُحرس حتى نزلت هذه الآية: }وٱلله يعصمك من ٱلناس{ (المائدة: 67)، فأخرج رسول الله e رأسَه من القبة، فقال لهم: ((يا أيها الناس، انصرفوا عني، فقد عصمني الله)).
وفي الآية دليلان من دلائل النبوة، أولهما: إخبار الله له بحفظه e، وقد كان.
قال الماوردي: "فمن معجزاتِه عصمتُه من أعدائه، وهم الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير، وهم على أتم حَنَقٍ عليه، وأشدُ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسلٌ قاهر، ولهم مخالطٌ ومكاثر، ترمُقُه أبصارُهم شزراً، وترتد عنه أيديهم ذُعراً، وقد هاجر عنه أصحابه حذراً حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليماً، لم يكْلَم في نفسٍ ولا جسد ، وما كان ذاك إلا بعصمةٍ إلهيةٍ وعدَه اللهُ تعالى بها فحققها، حيث يقول : }والله يعصمك من الناس{ فعَصَمَه منهم".
وثمةَ دليلٌ آخرُ من دلائل النبوة في الآية ، فالنبي e كان مقصوداً بالقتل من أعدائه، لذلك كان يحرُسُه الصحابة خوفاً عليه، فلما نزلت الآية صرفهم عن حراسته، ليقينه بما أنزل الله إليه، ولو كان دعياً لما غرر بنفسه، ولما عرَّض نفسَه للسوء.
قال ابن تيمية مستدلاً لنبوة النبي r بتأييد الله لنبيه وحفظه له ونصره لدينه: "وقد أيده تأييداً لا يؤيد به إلا الأنبياء، بل لم يؤيد أحد من الأنبياء كما أيد به، كما أنه بعث بأفضل الكتب إلى أفضل الأمم بأفضل الشرائع وجعله سيد ولد آدم r ، فلا يعرف قط أحد ادعى النبوة وهو كاذب؛ إلا قطع الله دابره وأذله وأظهر كذبه وفجوره.
وكل من أيده الله من المدعين للنبوة لم يكن إلا صادقاً، كما أيد نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان، بل وأيد شعيباً وهوداً وصالحاً، فإن سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وهذا هو الواقع، فمن كان لا يعلم ما يفعله الله إلا بالعادة، فهذه عادة الله وسنته يعرف بها ما يصنع، ومن كان يعلم ذلك بمقتضى حكمته؛ فإنه يعلم أنه لا يؤيد من ادعى النبوة وكذب عليه".
ومن صور حماية الله لنبيه وحبيبه e ما رواه الإمام أبو داود من حديث جابر بن عبد الله، وفيه: أن يهوديةً من أهل خيبر سمَّت شاةً مصليةً (مشوية)، ثم أهدتها لرسول الله e ، فأخذ رسول الله e الذراعَ، فأكل منها، وأكل رهطٌ من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله e : (( ارفعوا أيديِكم )) ، وفي رواية : ((ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومة)).
وأرسل رسول الله e إلى اليهودية فدعاها ،فقال لها : ((أسمَمْت هذه الشاة؟)) قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال : ((أخبرتني هذه في يدي)). للذراع ، قالت: نعم .
قال : ((ما أردت إلى ذلك؟)) قالت: قلتُ : إن كان نبياً فلن يضرَه ، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه . فعفا عنها رسول الله e ولم يعاقبها.
وفي رواية للخبر في الصحيحين أن رسول الله e سألها عن ذلك ،فقالت : أردت لأقتلكَ. فقال e : (( ما كان الله ليسلطَكِ علي )).
قال النووي: " قوله e ((ما كان الله ليسلطك علي)) فيه بيانُ عصمتِه e من الناس كلِّهم، كما قال الله: }وٱلله يعصمك من ٱلناس{ (المائدة:67)، وهي معجزة لرسول الله e في سلامته من السُّمِّ المهلِك لغيرِه، وفيه إعلامُ الله تعالى له بأنها مسمومةُ، وكلامُ عضوٍ منه له فقد جاء في غير مسلم ((إن الذراع تخبرني أنها مسمومة)).
وكما أرادت اليهودية قتله، فإن أبا جهل فرعون َ هذه الأمة قد رام ذلك أيضاً، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة t قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهرِكم (يعني بالسجود والصلاة)؟ فقيل: نعم، فقال: واللاتِ والعزى، لئن رأيتُه يفعلُ ذلك لأطأنَّ على رقَبَتِه، أو لأعفِّرنَّ وجهَه في التراب، قال: فأتى رسولَ الله e وهو يصلي، زعمَ ليطأَ على رقَبَتِه، قال: فما فجِئهم منه إلا وهو ينكُص على عقبيه، ويتقي (ويحتمي) بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهوْلاً وأجنحة، فقال رسول الله e : ((لو دنا مني لاختطفته الملائكةُ عُضواً عضواً)).
وهذه معجزة عظيمة رآها عدو الإسلام أبو جهل، فقد رأى أجنحة ملائكة الله وهي تحمي النبي e، وأيقن بأن الله حماه بجنده وعونه، لكن منعه الكِبْرُ وحبُ الزعامة والحرصُ عليها من الإذعان للحق والانقياد له، فحاله وحال غيرِه من المشركين كما قال الله: } فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون { (الأنعام: 33).
قال النووي: "ولهذا الحديث أمثلة كثيرة في عصمته e من أبي جهل وغيرِه , ممّن أراد به ضرراً, قال اللّه تعالى : } واللّه يعصمك من النّاس{".
وكما حمت الملائكة النبي e من أبي جهل ، فقد تنزلت لحمايته يوم أُحد، حين أطبق عليه المشركون، وتفرق عنه أصحابه منهزمين، ففي الصحيحين يقول سعدُ بن أبي وقاص رضي الله عنه: (رأيت عن يمين رسول الله e وعن شماله يوم أُحدٍ رجُلَين، عليهما ثيابٌ يَيَاض، ما رأيتهما قبلُ ولا بعد. يعني جبريلَ وميكائيلَ عليهما السلام).
قال النووي: "فيه بيان كرامةِ النبي e على الله تعالى، وإكرامِه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيانُ أن الملائكة تقاتِل، وأن قتالَهم لم يَختصَّ بيوم بدر".
ومن هذه الدلائلِ تأييدُ الله لنبيه وحمايتُه له من محاولات أعدائه المتكررة التي أرادت قتله والنيل منه، ولكن هيهات أن يدركوا بُغيَتهم، وقد أخبره ربه بسلامته من كيدهم وعُدوانهم، فقال: } يـا أيها ٱلرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وٱلله يعصمك من ٱلناس{ (المائدة: 67).
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه غزا مع رسول الله e قِبَل نجد، فلما قَفَل (رجع) رسول الله e (قفل معه)، فأدركتهم القائِلَة (أي: نومة القيلولة) في وادٍ كثير العِضاه (الشجر)، فنزل رسول الله e وتفرق الناس ، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله e تحت سمُرَةٍ، فعلق بها سيفه.
قال جابر: فنِمنا نومةً، ثم إذا رسول الله e يدعونا فجئناه، فإذا أعرابيٌ جالس، فقال رسول الله e: ((إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده صَلتاً، فقال لي: من يمنعُك مني؟ قلت: اللهُ، فها هو ذا جالس)) ثم لم يعاقبْه رسولُ الله e.
وفي رواية لأحمد أنه قام على رأس رسول الله e بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال e: اللهُ عز وجل. فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله e فقال: من يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: كن كخير آخذ. فقال e: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟)) قال: لا، ولكني أعاهدُك أن لا أقاتِلَكَ، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فذهب إلى أصحابه، فقال: قد جئتُكم من عندِ خير الناس.
وفي هذا الحديث – إخوتي المستمعينَ – دلائلُ مختلفة على نبوة النبي e ، منها: ثبات النبي e بتأييد الله له، ثم حمايةُ الله له من القتل، وتأييدُه له بالملائكة، فقد وقع في رواية لابن إسحاق أن جبريل دفع بصدر المشرك فسقط سيفه، وأخيراً: عفوُ النبي e عن الرجل مع رفضه للإسلام، وذلك خلق من أخلاق النبوة، وإلا فمن يصنع ذلك مع غريمه وعدوه الذي كاد أن يقتله؟ إنه كما قال الأعرابي: جئتُكم من عندِ خير الناس، e.
ولما رجع مشركو مكة من بدر - بقوة الله - مدحورين، أقبل عمير بن وهب حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحِجِر ، فقال صفوان : قبح الله العيش بعد قتلى بدر. قال: أجل والله ما في العيش خيرٌ بعدَهم ، ولولا دينٌ علي لا أجد له قضاء ، وعيالٌ لا أدع لهم شيئاً ، لرحلت إلى محمد فقتلتُه إن ملأتُ عينيّ منه ، فإن لي عنده عِلّة أعتل بها عليه ، أقول: قدِمت من أجل ابني هذا الأسير. قال: ففرح صفوان، وقال له: علي دينُك، وعيالُك أُسوةُ عيالي في النفقة ، لا يسعني شيء فأعجزُ عنهم. فاتفقا، وحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فصُقل وسُمَّ ، وقال عمير لصفوان: اكتم خبري أياماً.
وقدم عمير المدينة، فنزل بباب المسجد، وعَقَل راحلته ، وأخذ السيف، وعمَد إلى رسول الله e، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع ودخل إلى رسول الله e ، فقال : يا رسول الله لا تأمنه على شيء . فقال e: ((أدخله علي)).
فخرج عمر، فأمر أصحابه أن يدخلوا إلى رسول الله e ويحترسوا من عمير، وأقبل عمر وعمير حتى دخلا على رسول الله e، ومع عمير سيفُه ، فقال رسول الله e لعمر : ((تأخر عنه)).
فلما دنا عمير قال له: ((ما أقدمك يا عمير ؟)) قال :قدِمت على أسيري عندكم ، تفادونا في أسرانا ، فإنكم العشيرة والأهل. فقال e : (( ما بال السيف في عنقِك؟)). فقال عمير: قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنا شيئاً ، إنما نسيته في عنقي حين نزلت.
فقال رسول الله e : ((اصدقني، ما أقدمك يا عمير؟)). قال : ما قدمت إلا في طلب أسيري.
قال : (( فماذا شرطتَ لصفوان في الحجر؟))، ففزع عمير وقال: ماذا شرطتُ له؟ قال: ((تحمّلت له بقتلي على أن يعول أولادَك ، ويقضيَ دينَك ، واللهُ حائلٌ بينك وبين ذلك)).
فقال عمير : أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله ،كنا يا رسول الله نكذبُك بالوحي وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديثَ كان بيني وبين صفوان في الحِجِر لم يطلع عليه أحد، فأخبرك الله به ، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق.
ففرح به المسلمون، وقال له رسول الله e : ((اجلِس يا عمير نواسِك)). وقال لأصحابه : ((علموا أخاكم القرآن))، وأطلق له أسيره ، فقال عمير: ائذن لي يا رسولَ الله ، فألحق بقريش ، فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله أن يهديَهم .. ثم قدم عمير فدعاهم إلى الإسلام، ونصحهم بجُهده ، فأسلم بسببه بشر كثير).
وهكذا نجى الله نبيه وحبيبه من كيد عميرٍ وصفوان ، فلم يجدْ عميرٌ أمام هذه المعجزة الباهرة والآية القاهرة إلا أن يشهد للنبي e بالنبوة، وللرب الذي حماه بالوحدانية.
ولم تتوقف المؤامرات على النبي e، حتى من أقربائه وأعمامه، ومن ذلك أن أبا لهب خرج يوماً وقد اجتمعت قريش، فقالوا له : يا أبا عُتبة ، إنك سيدنا، وأنت أولى بمحمد منا، وإن أبا طالب هو الحائلُ بيننا وبينه ، ولو قتلتَه لم ينكِر أبو طالب ولا حمزةُ منك شيئاً، وأنت بريء من دمه ، فنؤدي نحن الدية ، وتسودُ قومَك، فقال: فإني أكفيكم ففرحوا بذلك، ومدحَتْه خطباؤهم.
فلما كان في تلك الليلة، نزل أبو لهب، والنبي e يصلي، وتسلقت زوجه أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله e وهو ساجد، فصاح أبو لهب، فلم يلتفت إليه، فجمدت أقدامهما، وبقيا لا يقدران على شيء حتى تفجر الصُبح، فقال أبو لهب: يا محمد أطلق عنا، فقال: ما كنت لأطلق عنكما، أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني. قالا : قد فعلنا. فدعا ربه فرجعا.
ولما نزل قوله تعالى: }تبت يدا أبى لهبٍ وتب{ (المسد: 1)، جاءت أم جميلٍ ، امرأةُ عمه أبي لهب إلى النبي e ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، إنها امرأة بذيئة، وأخاف أن تؤذيَك، فلو قُمت، قال: ((إنها لن تراني)) فجاءت أم جميل، فقالت لأبي بكر: إن صاحبك هجاني؟! قال: لا، وما يقول الشعر، قالت: أنت عندي مصدق، وانصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لم ترَك؟! قال: ((لا، لم يزل ملك يسترني عنها بجناحه)).
وهكذا فقد حماه الله كما حمى من قبل أخيه هود الذي تحدى قومه أن ينالوه بأذى وشر، فقال: }قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريءٌ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون % إني توكلت على الله ربي وربكم { (هود: 54-56)، لقد نجى الله عبدَه المتوكلَ عليه، فكان عجزُهم عنه برهانَ نبوته ودليلَ صدقه، وكذلك أنجى نبيه حبيبه محمداً e ، فكانت نجاتُه دليلاً على صدقه ، وبرهاناً ساطعاً على نبوته.
فإنه لو كان يتقول على الله الكذب لما حماه ولا رعاه، بل لسلط عليه أعداءه يفتكون به، ويفعلون به الأفاعيل } ولو تقول علينا بعض الأقاويل % لأخذنا منه باليمين % ثم لقطعنا منه الوتين % فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين { (الحاقة: 44-47)، لكنه رسول الله وخاتم النبيين e.
لقد وعد الله نبيه بحمايته من كيد أعدائه، وما زال من قبلُ ومن بعدُ يحميه من مؤامراتهم، ويحفظه من كيدهم، وفي ذلك شواهد كثيرة متعددة، منها ما رواه الإمام أحمد والحاكم بإسناد صحيح ، حين اجتمعت قريشٌ في الحِجر، فتعاقدوا باللاتِ والعزى ومناةَ الثالثةِ الأخرى ، لو قد رأينا محمداً ، قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقْه حتى نقتلَه.
فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تبكي، حتى دخلت على رسول الله e فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عَرف نصيبه من دمك.
فقال: ((يا بنية، أريني وَضوءاً)) فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا. وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصراً، ولم يقم إليه منهم رجل.
فأقبل رسول الله e حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: ((شاهت الوجوه)) ثم حصَبهم بها، يقول ابن عباس: فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاةً إلا قُتل يوم بدر كافراً.
الله أكبر، قريشٌ بخُيلائها وكِبْرِها تتعاهد على قتل رجل أعزل، وتقسم على ذلك بآلهتها، ثم لا يقوم منهم واحد لتنفيذ عزمتهم، بل قام e على رؤوسهم يحصِبُهم بالحصى متحدياً عجزهم، مبيناً سِفالَ أمرهم وهوانَه، كيف لا والله العظيم يؤيده ويقويه، فيقول: } والله يعصمك من الناس { (المائدة: 67).
لقد أرادت قريش أن تقتل النبي e مراراً قبل هجرته ، ورصدوا له يوم الهجرة على باب بيته، فخرج عليه الصلاة والسلام من بينهم، وقد أعمى الله أبصارهم عنه، فلم يروه حال خروجه ، وفي هذا يقول سبحانه : } وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ { (الأنفال:30)، لقد رد الله مكرهم في نحورهم ، ونجى نبيه عليه الصلاة والسلام.
وما زالت قريش تحاول قتل النبي e والله ينجيه، حتى أذن الله له بالهجرة، فخرج من مكة مستخفياً تحوطه عناية الله، حتى وصل e وصاحبُه إلى غار ثور، واختبآ فيه عن أعين المشركين الذين جدّوا بالبحث عنه حتى وصلوا إلى الغار، ووقفوا ببابه، وظن أبو بكر t الهلكة، فقال للنبي e: ((لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا، فأجابه النبي e بلسان الواثقِ من ربه، المتوكل عليه، العالمِِِِ بأنه لا يسْلمه إلا مرام أعدائه: ((ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثُهما؟)).
نعم فالله معه ينصره ويحميه ، }إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{ (التوبة:40).
وهكذا نجّى النبي e من بين أيديهم ، واتجه صوب المدينة المنورة من جديد، تحوطُه رعاية الله ، وتكلأه عنايته.
أما قريش فلم تستسلم، ولم تفتر عزيمتُها في محاولة قتلِ النبي e والنيلِ منه، فأرسلوا إلى قبائل العرب يضعون لهم الجوائز إن همُ قتلوا النبيَ e وصاحبَه، وهما يسيران في حفظ الله ورعايته.
وجاز النبي قَديداً، فأدركه سراقة بن مالك، يقول الصديق t: وتبِعنا سراقة بن مالك، ونحن في جَلَدٍ من الأرض (أي في أرض يابسة)، فقلت: أُتينا يا رسول الله, فقال: ((لا تحزن, إن الله معنا)) فدعا عليه رسول الله e ، فارتطمت فرسه إلى بطنها.
وفي رواية للبخاري يقول سراقة: (حتى إذا سمعت قراءة رسول الله e - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات - ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخَرَرت عنها، ثم زجرتُها فنهضتْ، فلم تكَد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثَرِ يديها عُثانٌ (غبار) ساطع في السماء مثل الدخان...).
فقال سراقة: إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوَا لي، فـ (أحلف بـ)الله لكما أن أرُدّ عنكما الطلب، فدعا e اللهَ فنجا، فرجع لا يلقى أحداً (من الطَلَب) إلا قال: قد كُفيتكم ما ها هنا، فلا يلقى أحداً إلا ردّه).
قَالَ أنس: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ e ، وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ.
فكان إنجاء الله نبيه من بين يدي سراقة سبباً في إسلامه وذوده عن النبي e، فقال t وهو يخاطب أبا جهل:
أبا حكمٍ والله لو كنتَ شاهداً لأمر جوادي إذ تسوخُ قوائمه
علمتَ ولم تَشْكُك بأن محمداً رسولٌ ببرهانٍ فمن ذا يقاومه
وروى البيهقي عن شيبة بن عثمان دليلاً آخر من دلائل نبوته وأعلام رسالته e، وذلك أن شيبة رأى رسولَ الله e يوم حنين وقد انفضّ عنه أصحابُه، فذكر أباه وعمه وقد قتلهما علي وحمزة رضي الله عنهما، فقال: اليوم أدرك ثأري منه، قال شيبة:.. فجئته من خلفه ، فلم يبق إلا أن أسورَه سَورة بالسيف .. إذ رفع لي شُواظ من نارٍ بيني وبينه كأنه برق، فخِفت أن تمحشني، فوضعت يدي على بصري، ومشيت القهقرى ..
فالتفتَ رسول الله e وقال : ((يا شيب، يا شيب، ادنُ مني ، اللهم أذهب عنه الشيطان)) ، قال : فرفعت إليه بصري، ولهو أحب إلي من سمعي وبصري ، فقال: ((يا شيب قاتل الكفار)).
وفي رواية: فلما انقضى القتال دخلت عليه فقال لي : الذي أراد الله بك خيرٌ مما أردته لنفسك. وحدثني بجميع ما زوّرتُه في نفسي. فقلت: ما اطلع على هذا أحد إلا الله فأسلمت.
وفي هذا الخبر دلائل عدة تدل على نبوة نبينا e ، منها: حماية الله لنبيه e من كيد شيبة بن عثمان رغم تمكنه منه ، والثاني: إطلاع الله نبيه e على ما يدور في خلجات شيبة من المكر والسوء، والثالث: استجابة الله دعاء نبيه e، حين دعا لشيبة، فأذهب عنه وخز الشيطان، وهداه للإسلام، وحبب إلى قلبه نبيه عليه الصلاة والسلام.
} أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد { (الزمر: 36).

شهادات الكتب السابقة وأتباعها بالنبي r
إن وجود البشارة بالنبي r في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّر أمته بأمر هذا النبي، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق لئن بعث محمد e ليؤمنن به، قال تعالى: } وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين { (آل عمران: 81).
قال علي رضي الله عنه: (ما بعث الله نبياً آدم فمن دونه إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه). ().
إن أهل الكتاب يعرفون رسول الله r معرفتهم بأبنائهم، لكثرة ما حدثهم الأنبياء والكتب عنه r } الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون { (الأنعام:20).
وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى، فقال: }الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم { (الأعراف: 157).
ورغم ما تعرضت له كتب اليهود والنصارى من التحريف فإنه لم يختف من ثنايا سطورها شهادات صادقة تشهد بالنبوة لنبينا r.
منها ما جاء في سفر النبي إشعيا، وهو من أسفار التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى اليوم، وفيه ويتوعد النبي إشعيا بني إسرائيل الذين يحرفون كتاب الله ولا يلتزمون شريعته، يتوعدهم بالنبي صاحب السفر المختوم، النبيِ الذي لا يعرف القراءة، فيقول في الإصحاح التاسع والعشرين: " أو يُدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف القراءة" (إشعيا 29/10-13).
وهذا القول الموجود في سفر النبي إشعيا يسجل اللحظة العظيمة التي سيبدأ نزول الوحي فيها على النبي r، ففي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:.. جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملَك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: } اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم{ (العلق:1-3).
فرسولنا r هو النبي الأمي الذي لا يعرف القراءة، والذي دُفع إليه السفر المختوم، فقال لا أعرف القراءة، فجعل الله سِفره وحياً ينطقه بشفتيه، ويتلوه من بعده المؤمنون إلى قيام الساعة.
ونزل النبي e من على غار حراء خائفاً فزعاً، وذهب إلى ورقة بن نوفل وكان من علماء اهل الكتاب، فقص عليه الخبر، فعرف ورقة نبوة النبي بما قرأ في كتب أهل الكتاب، فقال للنبي e : هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك .. لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومُك حياً أنصرك نصراً مؤزراً.
وأما معرفته بإخراج قريش للنبي e ومعاداته، فقد عرفه ورقة من سفر إشعيا أيضاً حيث جاء فيه البشارة بالنبي الذي يبعث في بلاد وعرة من أرض العرب، يقول السفر التوراتي في الإصحاح الحادي والعشرين: "وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين، يا قوافل الددانيين هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من السيوف قد هربوا " (إشعيا 21/ 13 - 14)، فالنص التوراتي يتحدث إلى قبائل الددانيين في أرض تيماء ، لينجدوا النبي الذي خرج مع أصحابه هرباً من وجه السيوف، ويشير إلى مكان بعثته الوعر من بلاد العرب، وهي صفة مكة المكرمة، مكان مولِدِه وبعثته r.
فشهادة ورقة وهو من علماء أهل الكتاب دليل ساطع على نبوة النبي e، وهذه الشهادة موثقة معتبرة، فقد استخرجها من كتب أهل الكتاب، مما تبقى بها من آثار الأنبياء وأنوار الوحي. ] ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [ (الرعد: 43).
وممن شهد لنبينا بالرسالة من أهل الكتاب النجاشي ملك الحبشة فإنه آمن بالرسول e لما دخل عليه جعفر بن أبي طالب فقال له: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى بن مريم: } ومبشراً برسول يأتي من بعد اسمه أحمد { (الصف: 6) فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قولَ الله، هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر.
قال: فتناول النجاشي عوداً من الأرض فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه.
لقد أسلم رحمه الله بما آتاه الله من معرفة بالكتب قبل الإسلام ، ورأى فيها دليلاً صادقاً من دلائل نبوته e، فلما مات رحمه الله نعاه النبي r إلى أصحابه في اليوم الذي مات فيه، وصلى عليه صلاة الغائب، وقال: ((مات اليوم رجل صالح، فقوموا، فصلوا على أخيكم أصْحمة)). رحمه الله ، فقد كان إسلامه دليلاً من دلائل نبوة النبي e.
ويروي الإمام أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور).
وممن عرف هذا الحق ملك الروم هرقل، يروي الشيخان في الصحيحين أبا سفيان بن حرب كان بالشام حين أرسل النبي r كتابه إلى هرقل الذي علم بوجود قافلة لقريش يتاجرون بالشأم، وذلك في زمن هدنة الحديبية.
فأرسل إليهم، فجاؤوا إليه بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت (أي أبو سفيان، وكان على الكفر حينذاك): أنا أقربهم نسباً.
فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه.
يقول أبو سفيان: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال كيف نسبه فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.
قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة.
قال هرقل: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا، وننال منه.
قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له سألتكَ عن نسبه، فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرتَ أن لا، فقلتُ: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلتُ رجل يأتسي بقول قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلتُ فلو كان من آبائه من ملك قلتُ: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدر؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: بما يأمركم؟ فذكرتَ أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.
فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ( أي مبعوث)، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه.
قال المازري: "هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة, ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله e, فعرفه بالعلامات, وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة".
ثم دعا هرقل بكتاب رسول الله r الذي بعث به دحيةَ إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و ]يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[)) (آل عمران: 64).
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب؛ كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا.
فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ (بلغ) أمرُ ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر (الروم)، فما زلتُ موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
ويمضي الخبر ليخبرنا أن هرقل جاءه رجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله r، فسأل هرقل عن النبي هذا هل هو مختون أم لا؟ فأخبروه أنه مختون، وأن العرب يختتنون، فقال هرقل: "هذا ملك هذه الأمة قد ظهر".
ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية (يستشيره ويسأله)، وكان نظيره في العلم.
وسار هرقل إلى حمص فلم يرم (يصل) حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي r وأنه نبي.
فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة (قصر) له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: "يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت.
فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي.
وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم. فقد رأيتُ، فسجدوا له ورضوا عنه.
لقد أنكر هرقل الحق الذي عرفه وتيقنه ضناً بملكه وخشية عليه.
قال النووي: " ولا عذر له في هذا ; لأنه قد عرف صدق النبي e, وإنما شح في الملك, ورغب في الرياسة , فآثرها على الإسلام .. ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة ".
ويروي ابن اسحاق بسنده عن سلمان الفارسي قصة هجرته في البحث عن الحقيقة، عن الدين الحق، فقد كان سلمان مجوسياً من أهل أصبهان ، مجتهداً في المجوسية يعمل مع أبيه على رعاية معبود الفرس، النار حتى لا تخبو.
خرج سلمان يوماً إلى ضيعة لأبيه، يقول: فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ... فلما سمعت أصواتهم ، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغِبت في أمرهم ، وقلت: هذا والله خير من الذي نحن عليه، فوالله ما برِحتُهم حتى غربت الشمس .. ثم قلت لهم : أين أصل هذا الدين؟ قالوا : بالشام.
وعلم أبو سلمان بالخبر فحبس سلمان بالقيد، وما كان للقيد أن يكبل سلمان عن رحلته، فهو مشتاق إلى الحق، فاستطاع سلمان الهرب من قيده إلى الشام، ليبدأ رحلته في البحث عن الحقيقة، تلك الرحلة التي نراها دليلاً من دلائل نبوته e.
يقول سلمان: فلما قدِمت الشام قلتُ: من أفضل أهل الدين علماً؟ قالوا : الأسقفُ في الكنيسة ، فجئتُه فقلت له: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك، فأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت معه.
فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم بها، فإذا جمعوا إليه شيئاً منها اكتنـزه لنفسه، ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق.
فأبغضه سلمان، وكشف لهم حقيقته بعد موته، فوضعوا بدلاً منه آخر، يقول عنه سلمان: ما رأيت رجلاً يصلي أفضلَ منه ولا أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة ولا أدأبَ ليلاً ولا نهاراً منه ، فأحببته حباً لم أحبه شيئاً قبله ، فأقمت معه زماناً ثم حضرته الوفاة ، فقلت له: يا فلان، إني قد كنت معك، وأحببتك حباً لم أحبه أحداً قبلك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟
فقال: أي بني، والله ما أعلم أحداً على ما كنت عليه، ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.
فلما مات الرجل وغُيِّب، لحق سلمان بصاحب الموصل، فأقام عنده إلى حين وفاته، فأوصى الرجلُ سلمانَ أن يلحق برجل على التوحيد في نصيبين، فلزمه سلمان زمناً ، فلما أدركه الموت أوصى الرجلُ سلمانَ باللحاق برجل على التوحيد في عمورية من أرض الروم قائلاً: "فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فأته".
فانطلق إليه سلمان ولزمه فلما أدركته الوفاة، قال له سلمان: إلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: "يا بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه فآمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرُه إلى أرض بين حرتين ، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل".
ثم مر بسلمان تجار من قبيلة كلب، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بُقيراتي هذه وغُنيماتي هذه، فحملوه معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى يقول سلمان: فظلموني وباعوني من رجل يهودي، فكنت عنده ، فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي، فبينما أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفة صاحبي ، فأقمت بها.
وبُعث رسول الله e فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابنُ عمٍ له، حتى وقف عليه، فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلة (اسم جدة للأنصار ينسبون إليها) والله إنهم الآن لمجتمعون معنا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي.
فلما سمعتُها أخذتني العُرَواء (الرِعدة) حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلتُ أقول لابن عمه ذلك: ما تقول؟ فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبِل على عملك! فقلت: لا شيء إنما أردت أن استثبته عما قال.
وقد كان عندي شيء ( من تمر ) جمعتُه، فلما أمسيت أخذتُه، ثم ذهبت به إلى رسول الله e وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربتُه إليه، فقال رسول الله e لأصحابه: ((كلوا)) وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة.
ثم انصرفت عنه فجمعت شيئاً، وتحول رسول الله e إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إني قد رأيتُك لا تأكلُ الصدقة، وهذه هدية أكرمتُك بها، فأكل رسول الله e وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفسي: هاتان اثنتان .
ثم جئت رسول الله e وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني e استدبرته عرَف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي.
فقال لي رسول الله e: ((تحول)) فتحولتُ، فجلستُ بين يديه ، فقصصتُ عليه حديثي .. فأعجبَ رسولَ الله e وأحبَّ أن يسمع ذلك أصحابُه.
وإن منها ورود اسم النبي r وصفته في الكتب السابقة، ففي بقاياها ما يدل على نبوته على الرغم مما أصابها من التحريف والتبديل.
ومن ذلك بشارة النبيين موسى وحبقوق بنبي قدوس طاهر يخرج من بلاد فاران، وهو اسم للحجاز كما سيتبين لنا.
وقد جاء في الإصحاح الثالثِ والثلاثين من سفر التثنية - وهو سفر ينسب إلى موسى عليه السلام – أنه عليه السلام قال لبني إسرائيل قبيل وفاته: "جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران" (التثنية 33/2)، فقد أخبرهم عليه السلام بأنه كما جاءت رسالة الله إليه على جبل الطور في سيناء، فإن النبوة ستشرق من جبل ساعير في وسط فلسطين، وذلك بنبوة عيسى عليه السلام، ثم ستتلألأ النبوة من فوق جبل فاران بنبي عظيم يخرج فيها.
وأكد سفر النبي حبقوق في الإصحاح الثالث البشارةَ بالنبي المبعوث في فاران، فقال: "والقدوس من جبل فاران، جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه" (حبقوق 3/3)، فمن هو هذا العبد الطاهر ذو الهيبة الذي يخرج من فاران، وتمتلئ الأرض من تسبيحه وتسبيح أتباعه.
لن نستطيع القول بأنه محمد r إلا إذا عرفنا المقصود من كلمة فاران.
فاران اسم تستخدمه التوراة في حديثها عن مكة المكرمة، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الحادي والعشرين منه أن إسماعيل عليه السلام نشأ وتربى في برية فاران، يقول السفر: " كان الله مع الغلام (إسماعيل) فكبر .. وسكن في برية فاران " (التكوين 21/21)، وهكذا استبانت النبوءة في أبهى صورها، فكما عاش إسماعيل في برية فاران التي هي الحجاز، فإن النبوة ستتلألأ من على جبل فاران، فمن هو النبي المبعوث في فاران، إنه محمد r.
إن أمثال هذه النبوءة الباهرة والشهادة الواضحة دفعت المنصفين من أهل الكتاب إلى الإيمان بالنبي r والاعتراف بأنه الرسول الخاتم المبشر به في كتب السابقين.
ومن هؤلاء حبر اليهود عبد الله بن سلام الذي أسلم على يد النبي r، فقد وفد على النبي في يوم هجرته ومقدمه المدينة ، يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه فلما استثبتُ وجه رسول الله r عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به r أن قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).
قال السندي: " قوله: ( عرَفْت أن وجهه ليس بوجه كذاب ) لما لاح عليه من سواطع أنوار النبوة، وإذا كان أهل الصلاح والصلاة في الليل يُعرَفون بوجوههم .. فكيف هو، وهو سيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ".
ويروي البخاري أن ابن سلام أتى النبي r فجلس بين يديه، وقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟
فقال رسول الله r : ((خبرني بهن آنفاً جبريلُ .. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)). قال: أشهد أنك رسول الله.
ثم قال ابن سلام: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله r لليهود: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمُنا وابن أعلمِنا، وأخيرنا وابن أخيرنا.
فقال رسول الله r: ((أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟)) قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه.
إن إسلام عبد الله بن سلام ، وهو حبر عالم في الكتب السابقة لهو دليل صدق وشاهد حق على نبوة النبي r ] ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [ (الرعد: 43).
ويروي الإمام أحمد شاهداً آخر من شهادات أهل الكتاب بنبوة النبي r، وذلك فيما يرويه عن سلمة بن سلامة البدري t قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث النبي r بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، وأنا يومئذ أحدث من فيه سناً..
فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقومٍ أهلِ شرك أصحابِ أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلَف به ..
قالوا له: ويحك، وما آيةُ ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى تُراه؟ قال سلمة: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سناً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمُرَه (أي إن عاش حتى يهرم) يدركْه.
قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله r وهو (أي اليهودي) حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً.
فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، وليس به.
لقد أنكر الحق الذي عرفه وكان يبشر به ] ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ (البقرة: 89).
لقد كفروا بالنبي الذي كانوا ينتظرونه من بعد ما عرفوه معرفتهم بأبنائهم، وصدق الله العظيم بقوله: } الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون { (الأنعام:20).
ومن البشارات الكتابية أيضاً ما نسبه سفر التكوين إلى موسى عليه السلام، وهو سِفرٌ يؤمن به اليوم اليهودُ والنصارى، فقد قال عليه السلام مخاطباً بني إسرائيل: "قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه.." (التثنية 18 / 17 - 19).
والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى عليه السلام، ويذكر صفات هذا النبي، وأولُها أنه من غير بني إسرائيل، فهو ليس من أنفسهم، بل هو من بني إخوتهم أي أبناء عمومتهم ، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بنِ إسحاق، وبنو إسماعيلَ بنِ إبراهيم عليهم السلام.
وهذا النبي من خصائصه أنه مثل لموسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله كما جاء في سفر التكوين: "ولم يقم بعدُ نبيٌ في إسرائيل مثلُ موسى " (التثنية: 34/10).
ومن صفات هذا النبي المبشَر به أن الله يعطيه وحياً شفاهياً يحمل كل وصايا الله، وأيضاً فإن الله ينتقم من أعدائه الذين يرفضون نبوته "وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
فمن هو هذا النبي الذي يبشر به موسى عليه السلام، إنه أخوه محمدٌ e.
ولهذا الخبر وغيره من الأخبار التوراتية كان يهود المدينة يتوعدون جيرانهم من الأوس والخزرج بمقدم نبي عظيم، يسودون به على المدينة وأهلها، فقد روى ابن إسحاق في سيرته عن بعض الأنصار أنهم قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمةِ الله تعالى وهداهُ لنا - لِما كنا نسمع من رجال اليهود، وكنا أهلَ شرك أصحابَ أوثان، وكانوا أهل كتاب، عِندَهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسوله e أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كان يتوعدنا به, فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات: } ولما جاءهم كتابٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين { (البقرة: 89).
قال قتادة: "كانت اليهود تستفتح بمحمد r على كفار العرب .. فلما بعث الله محمداً r، فرأوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله r ، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة".
ومن علماء اليهود في المدينة الحَبرُ ابنُ الهيبان ، وقد جاء من الشام إلى المدينة المنورة لأنه علم أنها مهاجرُ النبي الخاتَم، فجاء إليها ينتظر مبعثه وهجرته إليها.
روى ابن اسحاق في سيرته عن شيخ من بني قريظة، قال: قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلاً يصلي خيراً منه، فقدم علينا قبل مبعَثِ رسول الله e بسنتين، فكنا إذا قحطنا، وقلّ علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان اخرج، فاستسق لنا ، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجِكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مُدَّين من شعير، فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا، ونحن معه نستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطرَ ويمُرَّ (الماء) بالشعاب، قد فعل ذلك مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.
فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير (الشام) إلى أرض البؤس والجوع (يثرب)؟ قالوا: أنت أعلم.
قال: فإني إنما خرجت أتوقع نبياً قد أظل زمانُه، هذه البلاد مهاجَرُه، فاتبعوه ولا يسبقَنَّ إليه غيرُكم إذا خرج، يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
فلما كانت الليلة التي فُتحت فيها قريظة، خرج ثلاثة من حصونهم، فقالوا: يا معشر اليهود، والله إنه للذي ذكر لكم ابنُ الهيبان، فقالوا: ما هو به ، قالوا: بلى والله إنه لصفته. ثم نزلوا وأسلموا.
وأما السفر المنسوب إلى النبي حجي فإنه يذكر اسم النبي e، فيقول لبني إسرائيل في الإصحاح الثاني من سفره: "لا تخافوا، لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود...".
ثم قال متحدثاً عن هذا البيت الجديد من بيوت الله: "مجدُ هذا البيت الأخير يكون أعظمَ من مجد الأول (أي مسجد القدس) قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام" (حجي 2/6 - 9).
ولو عدنا إلى النص العبري للتوراة، وقرأنا قولها: "ويأتي مشتهى كل الأمم" لوجدنا النص العبري يقول: "فباؤا حِمدات كول هاجوييم"، وكلمة حِمدات التي ترجمت إلى "مشتهى" هي الصيغة العبرية لاسم محمد e، وترجمتها خطأ ظاهر لأن الأسماء لا تترجم.
وقول السفر عن بيت الله الأخير أي المسجد الحرام: " وفي هذا المكان أعطي السلام"، أي أعطي الإسلام، فالسلم والإسلام لفظتان اشتقاقهما واحد، وكلاهما اسم يطلق على دين الإسلام، كما قال الله: } يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافةً { (البقرة: 208).
قال ابن كثير: "ادخلوا في السلم كافة يعني الإسلام".
وهكذا رأينا الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، إن الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى يذكر النبي باسمه ، وينبئنا باسم دينه، وعن بيته العظيم الذي يفوق شرفه ومجده بيت الله القديم الذي بناه إسحاق على أرض فلسطين.
وقد صدق الله وهو يؤكد وجود البشارة به في كتب السابقين ويعد المؤمنين منهم بالفلاح العظيم: } الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون { (الأعراف: 157).
دلالة أخلاقه وأحواله e على نبوته
وإن من دلائل نبوته e كرمَ أخلاقه وجميلَ صفاته، فمثل هذه الكمالات إنما هي بعض منحة الله إليه، وهي دليل يرضاه العقلاء على نبوته e، فما كان لهذه الأخلاق أن تكون لدعي يفتري على الله الكذب.
قال ابن تيمية: "ودلائل صدق النبي الصادق وكذب المتنبي الكذاب كثيرة جداً، فإن من ادعى النبوة وكان صادقاً؛ فهو من أفضل خلق الله وأكملهم في العلم والدين، فإنه لا أحد أفضل من رسل الله وأنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه ..
وإن كان المدعي للنبوة كاذباً فهو من أكفر خلق الله وشرهم .. ولما كان هذا من أعلى الدرجات وهذا من أسفل الدركات؛ كان بينهما من الفروق والدلائل والبراهين التي تدل على صدق أحدها وكذب الآخر ما يظهر لكل من عرف حالهما، ولهذا كانت دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة، كما أن دلائل كذب المتنبئين كثيرة متنوعة".
وبهذا النوع من الدلائل آمن الرهط الأول من المسلمين بالنبي e قبل أن تظهر على يديه معجزاته الباهرة، فأول أهل الأرض إيماناً به خديجة رضي الله عنها، استدلت لنبوة زوجها بما عرفته من كمال أخلاقه، وعظيمِ خلاله، فقالت له وقد جاءها خائفاً من غار حراء : (كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). فجعلت رضي الله عنها من كريم خِلاله دليلاً على صدقه ونبوته.
فمن دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام ما حباه الله تعالى من كريم الخلال وصفات الجمال، يكفيه في ذلك وصفُ ربهِ له ]وإنك لعلى خلق عظيم[ (القلم: 5).
وكثير من العقلاء رأوا في أخلاقه e دليلاً كافياً على نبوته ، من هؤلاء هرقل ملك الروم الذي بلغه أمرُ النبي، فسأل أبا سفيان – وهو يومئذ على الكفر- عن صفاته وأخلاقه.
فلما استبانت له نبوته قال: "فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج (مبعوث)، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه".
كرم النبي e
ومن جميل صفاته e كرمُه الفياض، وجُوده السيّال، كرمُه كرمُ رجل عافت نفسه الدنيا، حتى ما عاد يفرح بإقبالها، ولا يغتم ولا يهتم بإدبارها، إنه أكرمُ الناس وأجودُهم، وصفه ابنُ عمهِ ابنُ عباس فقال: (كان رسول الله e أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه القرآن، فلرسولُ الله e أجودُ بالخير من الريح المرسلة).
وعاشره أنس بن مالك عشرَ سنين، ثم وصفه فقال: (كان النبي e أحسنَ الناس وأشجعَ الناس وأجودَ الناس).
ودعونا نتأملُ بعض قصص كرمه e ، فمن ذلك ما رواه البخاري من حديث جبير بن مطعم، أنه بينما هو يسير مع رسول الله e وهو مقفل من حنين فعلِقه الناس يسألونه، حتى اضطروه إلى سمُرة (شجرة طلح) ، فخطِفَتْ رداءَه، فوقف النبي e فقال: ((أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العِضاهِ نَعَماً لقسمتُه بينَكم ، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً)).
وذات يوم جاء إليه e رجل فسأله أن يعطيه، فقال النبي e : ((ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءني شيء قضيتُه)). فقال عمر: يا رسول الله، ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي e قول عمر.
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً. فتبسم رسول الله e ، وعُرف البِشر في وجهه بقول الأنصاري ثم قال e: ((بهذا أمرت)). إنه عطاء مع العوز وقلة ذات اليد، لقد طلب e من الرجل أن يستدين ، وهو يقضي الدين متى قدر عليه، وهذا غاية الجود.
وجاءه e نفرٌ من الأنصار فسألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفِد ما عنده، ثم قال: ((ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعففْ يعِفُّهُ الله، ومن يستغن يغنِه الله، ومن يتصبر يصبرْه الله، وما أعطي أحد عطاء هو خيرٌ وأوسعُ من الصبر)).
وجاءته امرأة ببردة فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكَها، فأخذها رسول الله e محتاجاً إليها، فخرج إلينا، وإنها لإزاره، فجسَّها رجل من القوم فقال: يا رسول الله اُكسُنيها. قال: ((نعم)).
فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتَها إياه، وقد عَرفتَ أنه لا يرد سائلاً! فقال الرجل: والله ما سألتُها إلا لتكون كفني يوم أموت.
نعم، إنه e لا يرد سائلاً، ويجود حتى بما هو أحوج الناس إليه.
هو البحر من أيِ النواحي أتيتَه فلُجتُه المعروف والبحرُ ساحله
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
‏ولو لم يكن في كفه غيرُ روحه ‏ ‏لجاد بها فليتق الله سائلُه
هذا بعض خلقه e ، يقول عنه جابر t : ما سئل النبي e عن شيء قط؟ فقال: لا.
ومن كرمه وجوده e أنه في يوم حنين جاءه رجلٌ فسأله غنماً بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أي قومِ أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر! فقال أنس: إن كان الرجل ليُسلِم، ما يريدُ إلا الدنيا، فما يسلمْ حتى يكونَ الإسلام أحبَ إليه من الدنيا وما عليها.
ويذكر ابن عساكر أن صفوان بن أمية سار يوم حنين بين الغنائم ، فجعل ينظر إلى شِعب ملاء نِعماً وشاء ورعاء، فأدام النظر إليه، ورسول الله*e يرمُقه فقال النبي: ((أبا وهب، يعجبُك هذا الشِعب؟)) قال: نعم. فقال e: ((هو لك وما فيه)). فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفسُ نبي، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
لقد أسلم صفوان لما رآه من جود النبي e، فرأى في كرم كفه وفيضِ عطائه وطيبةِ نفسه بهذا العطاء؛ ما يدل على نبوته ورسالته e.
وعطاؤه e ليس مرتبطاً بمصلحة شخصية، ولا يطرد بزيادة العلاقة مع المُعطى أو نقصاِنها، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إني لأعطي الرجل، وغيرُه أحبُ إلي منه، خشيةَ أن يكبه الله في النار)).
ومن صور كرمه e ما رواه جابر بن عبد الله، قال: كنت مع النبيe في غزوة فقال لي: ((أتبيع ناضِحك (جملك) هذا بدينار، واللهُ يغفرُ لك؟)) قلت: يا رسول الله هو ناضِحكم، إذا أتيتُ المدينة (أي أنه يعطيه للرسول e بلا مقابل إذا وصلوا المدينة).
فقال e: ((فتبيعه بدينارين، واللهُ يغفر لك)) قال: فما زال يزيدني ديناراً ديناراً، ويقول مكان كل دينار: ((والله يغفر لك)) حتى بلغ عشرين ديناراً.
فلما أتيت المدينة أخذتُ برأس الناضح، فأتيت به النبي e، فقال: ((يا بلال، أعطه من الغنيمة عشرين ديناراً)) وقال: ((انطلق بناضحك، فاذهب به إلى أهلك)).
وفي رواية في مسند أحمد قال جابر: (فمررت برجل من اليهود، فأخبرته: قال: فجعل يعجب ، ويقول: اشترى منك البعير، ودفع إليك الثمن، ووهبه لك؟ فقلت: نعم).
وحُق له أن يعجب، رجل يشتري جملاً من آخر ، ويزيده في السعر، ثُم يعطيه ثمن البعير والبعير، فما هذا بمعهود بين الناس لا مألوف، إنه جود نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه.
حلم النبي e
ومن عظيم أخلاقه وجمل خلاله e عفوه عمن ظلمه، وحِلمه على من جهل عليه، وذلك أن لاحظ لنفسه في نفسه. ((وما انتقم رسول الله e لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن النبي e سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً. كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ((ما له ترب جبينه)).
سئلت أمُ المؤمنين عائشةُ عن خلق رسول اللهe فقالت: ((لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح).
وهذه الصفة من صفاته e مذكورة في الكتب قبل الإسلام، ففي البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن .. ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح بها أعيُناً عُمياً، وآذاناً صُماً، وقُلوباً غُلفاً).
وقد صدق t ، ففي السفر المنسوب إلى إشعيا: " هوذا عبدي الذي أَعضُده، مختاري الذي سُرّت به نفسي، وضعتُ روحي عليه، فيخرج الحق للأمم، لا يصيح، ولا يَرفع ولا يُسمع في الشارع صوتُه، قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته، هكذا يقول الله الرب خالق السموات " (إشعيا 42/1-4)
ومن عفوه e وحِلمه أنه في يوم حنين أجزل العطاء لضعاف الإيمان يتألف قلوبهم للإسلام، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! يتهم رسول الله بالظلم والحيف.
يقول ابن مسعود: فأتيتُ النبي e فأخبرتُه، فغضب حتى رأيتُ الغضب في وجهه، ثم قال: ((يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)).
إنه يمتثل أمر ربه وهو يقول له: } فاصفح الصفح الجميل {(الحجر: 85).
جاء في السنن من حديث أبي هريرة أنه قال: كنا نقعد مع رسول الله e في المسجد حتى لما بلغ وسط المسجد أدركه رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه e خشناً، فحمّر رقَبتَه، فقال: يا محمد، احمل لي على بعيريَّ هذين، فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك.
فقال رسول الله : ((لا، وأستغفر الله، لا أحملُ لك حتى تُقِيدني مما جبذتَ برقبتي)) فقال الأعرابي: لا والله لا أُقيدُك .
يقول أبو هريرة: فلما سمعنا قولَ الأعرابي أقبلنا إليه سراعاً، فالتفت إلينا رسول الله e فقال: ((عزمتُ على من سمع كلامي أن لا يبرح مقامَه حتى آذن له)).
ثم قال رسول الله e لرجل من القوم: ((يا فلان احمل له على بعير شعيراً، وعلى بعير تمراً)). ثم قال رسول الله لأصحابه: ((انصرفوا)).
قال السندي : "أراد أنه لكمال كرمه يعفو البتة، وفي أمثال هذه الأحاديث دليل على أنه لولا (أي: لو لم يؤت) المعجزات إلا هذا الخُلُق لكفى شاهداً على النبوة". } فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ{ (آل عمران:159).
ومن حلمه e أن أعرابياً جهل، فقام يبول في طرف المسجد، فقام إليه الصحابة ينتهرونه، فقال رسول الله e : ((لا تزرموه، دعوه)) فتركوه حتى بال.
ثم إن رسول الله e دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن))، ثم أمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه (فصبه) عليه.
قال النووي: "وفيه الرفق بالجاهل وتعليمُه ما يلزمُه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً أو عناداً".
ومن حلمه e أنه استدان من أحدهم ، فجاء الرجل إلى النبي e، فأغلظ له، فهمَّ به أصحاب النبي e. فقال عليه الصلاة والسلام معتذراً لسوء مقال الرجل وغلظته: ((إن لصاحب الحق مقالاً)) ثم قال لأصحابه: ((اشتروا له سناً))، فأعطوه إياه. فقالوا: إنا لا نجد إلا سِنَّاً هو خيرٌ من سِنِّه. قال: ((فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أحسنَكم قضاءً)).
فلم يقابل رسول الله إساءة الرجل بمثلها، بل عفا عنه وصفح، ثم أحسن إليه، فرد خيراً مما أخذ، وهو في كل ذلك يمتثل أمر ربه ومولاه } وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ { ( آل عمران: 134).
زهد النبي e
وهكذا فإن هذا الصفح وذلكم الحلم، إنما هما بعض أخلاق النبوة التي كساها الله نبيه وحبيبه e لتكون شاهداً آخر على نبوته ورسالته.
وإن من دلائل نبوته e زهادته في الدنيا وإعراضه عنها ترقباً لجزاء الله في الآخرة، ولو كان دعياً يفتري الكذب لما فرط في دنيا يفتري ابتغاء الكسب فيها، فإعراضُه e عن الدنيا وزهدُه في متاعها دليل نبوته ورسالته.
وأول ما نلحظه أنه e ما كان يطلب أجراً على نبوته من أحد، بل كان يقول بمثل ما قال إخوانه الأنبياء من قبل : } قل ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين { (ص: 86).
واستغناء الأنبياء عن أجر الناس وجزائهم دليل على نبوتهم، وأنهم يرقبون الأجر من الله، ولذا لما دعا مؤمن آل ياسين قومه للإيمان بأنبياء الله قال لهم: } قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ % اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ { (يـس: 20-21).
ودعونا نتأمل بعض صنيعه e وبعضَ ما أنزل الله إليه ، ثم ننظر هل هذا صنيعُ دعي كذاب، أم هو أدبُ النبوة وعبق الرسالة؟
لقد كان النبي e يؤثِر حياة الزهد، ويدعو الله أن يجعله من أهلها، فعن أنسِ بنِ مالك أن رسول الله e قال: ((اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة)).
وقد خيره ربه بين المُلكِ في الأرض وبين حياة الشظف والقِلة، فاختار شظف العيش زهادة منه في الدنيا وترفعاً على متاعها، ففي الترمذي من حديث أبي هريرة t أن ملَكاً نزل من السماء، فقال: يا محمد أرسلني إليك ربك. قال: أفملِكاً نبياً يجعلُك أو عبداً رسولاً؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. فقال e: ((بل عبداً رسولاً)).
ودعونا نتأمل حياة النبي e وكيف كان يعيش في بيته e، فلكم بقي عليه الصلاة والسلام طاوياً على الجوع ، لا يجد ما يأكله، وهو رسولُ الله وصفوتُه من خلقه، روى البخاري من حديث أبي هريرة قال: (ما شبع آل محمد e من طعام ثلاثة أيام حتى قبض).
ورآه عمر t يتلوى من الجوع، فما يجد رديء التمر يسد فيه جوعته ، ثم رأى t ما أصاب الناس من الدنيا فقال: (لقد رأيتُ رسول الله e يظل اليوم يلْتَوي، ما يجد دَقَلاً يملأ به بطنه). والدقل هو التمر الرديء.
وحين يجد النبي e طعاماً فإنما يجد خبز الشعير فحسب، ففي السنن عن ابن عباس قال: (كان رسول الله e يبيت الليالي المتتابعةَ طاوياً، وأهلُه لا يجدون عشاء، وكان أكثرُ خبزِهم خبز الشعير). ومع ذلك فما كان يجد ما يشبعه منه.
وهذا الشعير الذي لم يشبع منه e كان من رديء الشعير لا من جيده، فقد كان غير منخول، سئل سهل بن سعد: هل أكل رسول الله e النقي (أي من الشعير)؟ فقال سهل: ما رأى رسول الله e النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله.
فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه (بللناه بالماء) فأكلناه.
ورضي الله عن أم المؤمنين عائشة، إذ تقول لابن أختها عروة : (ابنَ أختي، إنْ كنا لننظرُ إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثةَ أهلَّةٍ في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله e نار). فسألها عروة: يا خالةُ، ما كان يُعيشُكم؟ قالت: (الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله e جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله e من ألبانهم، فيسقينا).
ويُدعى أبو هريرة t إلى شاة مصلية (مشوية)، فيأبى أن يأكل، ويقول: خرج رسول الله e من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير.
يروي الشيخان في صحيحيهما أن امرأة وابنتاها دخلوا على أم المؤمنين عائشة يشكون الجوع، فماذا وجدوا في بيت النبي e؟ تجيبنا أم المؤمنين عائشة، فتقول: فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة، فأعطيتُها إياها، فقسمَتَها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت، فخرجت، فدخل النبي e علينا، فأخبرته فقال: ((من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له ستراً من النار)).
وفي مرة أخرى يأتي ضيف، فيطرق باب النبي e فلا يجد عليه الصلاة والسلام ما يضيفه، فيرسل إلى بيوته يسأل نساءه ، فلا يجد عندهن شيئاً سوى الماء، فما يجد رسول الله من سبيل إلى ضيافته إلا أن يطلب من أصحابه أن يضيِّفوه.
ومع ذلك كله فقد كان لسانه e لا يفتَر أن يطلب دوام حال الكفاف والزهادة ، فيقول داعياً ربه: ((اللهم ارزق آل محمد قوتاً)).
قال القرطبي : "معنى الحديث أنه طلب الكفاف , فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة , وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغِنى والفقر جميعاً".
وإذا تساءلنا عن أثاث بيت النبي e ، فإنه e ما كان يعيش إلا كسائر لأصحابه، أما وساده e فتصفه أم المؤمنين عائشة وتقول: (كان وسادة رسول الله e التي يتكئ عليها من أدم (جلد مدبوغ)، حشوها ليف).
وأما فراشه فحصير يترك أثراً في جنبيه، يقول ابن مسعود: نام رسول الله e على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاء (فراشاً) فقال: ((ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها)).
ودخل عليه عمر t، فرآه مضطجعاً على حصير قد أثر في جنبه، ونظر ببصره في خزانة رسول الله e، فإذا فيها قبضةٌ من شعير نحو الصاع ، وقبضة أخرى من ورق الشجر في ناحية الغرفة.
قال عمر: فابتدرتْ عيناي (أي بالبكاء) فقال e: ((ما يبكيك يا ابن الخطاب؟)) قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنتَ رسولُ الله وصفوتُه، وهذه خزانتك! فقال: ((يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة، ولهم الدنيا؟)) قلت: بلى.
ودخلت امرأة من الأنصار بيته e ، فرأت فراشه مثنية، فانطلقت، فبعثت بفراش فيه صوف إلى بيت النبي e، فلما رآه e قال: ((رديه يا عائشة، فوالله لو شئتُ لأجرى الله عليّ جبال الذهب والفضة)) قالت عائشة: فرددته.
لقد كان e أزهد الناس في الدنيا، ممتثلاً أمرَ ربه الذي أمره أن يعيش عيشة الكفاف والزهد، وأمره أن يخير نساءه بين حياة الزهد معه وبين تسريحهن إلى بيوت أهلهن ، فاخترن جميعاً رضي الله عنهن البقاء معه على هذه الحال.
تقول عائشة : لما أمر رسول الله e بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: ((إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك))... ثم قال: إن الله عز وجل قال: } يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً % وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً { (الأحزاب: 28-29).
قالت: فقلت في أي هذا أستأمرُ أبوي؟ فإني أريد اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة.
قالت: ثم فعل أزواجُ رسول الله e مثلَ ما فعلتُ.
وتشكو إليه ابنته فاطمة رضي الله عنها ما تلقى في يدها من الرحى، وترجو أن يعطيها خادماً يخفف عنها ما هي فيه، فلا يجد الأب الحاني من نصيحة لابنته وزوجها أفضلَ من قوله: ((ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشِكما أو أخذتما مضاجِعكما، فكبرا ثلاثاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم)).
وأدركت فاطمة معدِن أبيها ونوعه بين الرجال، وعرفت إيثاره الآخرة على الدنيا، فأتته ذات يوم بكِسْرةِ خبزِ شعير، فأكلها النبي e وقال: ((هذا أول طعام أكله أبوكِ منذ ثلاث)).
وصدق عمرو بن العاص حين خطب الناس بمصر فقال: (ما أبعد هديَكم من هدي نبيكم e ، أما هو فكان أزهدَ الناس في الدنيا، وأما أنتم فأرغبُ الناس فيها).
لقد كان عليه الصلاة والسلام أزهدَ الناس في الدنيا وزخارِفها ونعيمِها، ومِصداقُ ذلك فيما يرويه الشيخان من حديث أبي ذر، وفيه أن النبي e أبصر جبل أُحدٍ فقال: ((ما أحب أنه تَحوَّل لي ذهباً، يمكث عندي منه دينارٌ فوق ثلاث، إلا ديناراً أرصدُه لدَين)) ثم قال: ((إن الأكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وقليل ما هم)) وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله، أي يفرقه.
وراودته الجبال الشمّ من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم
وتروي لنا عائشة من خبرهe عجباً، فتذكر أنه كان في بيتها بعضُ قطعٍ من ذهب، فقال رسول الله e: ((ما فعلتْ الذهبُ)) فقالت عائشة : هي عندي، فقال: ((ائتيني بها)).
تقول عائشة: فجئت بها، فوضعها في يده ثم قال بها (رماها) ، وقال: ((ما ظن محمد بالله لو لقي الله عز وجل وهذه عنده، أنفقيها)).
وكيف لا يكون هذا حاله، وهو الذي أوصى أصحابه بالاقتصاد من الدنيا، فكان أسبقهم إلى ذلك يقول سلمان: (إن رسول الله e عهد إلينا عهداً أن يكون بُلغَةُ أحدنا من الدنيا كزاد الراكب).
وكان يقول: ((ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها)).
فماذا ترك من الدنيا e حين غادرها؟ يقول عمرو بن الحارث أخو أمِ المؤمنين جويرية قال: (ما ترك رسول الله e عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمَة ولا شيئاً إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وأرضاً جعلها صدقة).
ويروي الإمام أحمد في مسنده أن النبي e مات ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير.
وكما زهد النبي e عن الدنيا زمن حياته، فإنه لم يبتغ جر نفع من منافعها إلى أهله وذويه بعد موته ، فإنه e لا يبتغي أن يجر لأهله شيئاً من زخارفها، لذا قال e : ((لا نورّث، ما تركناه صدقة)).
وهكذا فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الكسب الذي جناه النبي e من نبوته، فإنه عاش عيشة المساكين التي تمناها ودعا الله بها، فكان طعامُه خشنُ الشعير، ورديءُ التمر، إذا ما تيسر له ذلك، وأما وساده وفراشه e فهما دليلٌ آخرُ على استعلاء النبي e على الدنيا التي هجرها e بإرادته، كيف لا وهو e ينصح لأمته، فيقول: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).
تواضع النبي e
وإن من دلائل نبوته e ما اتصف به e من التواضع في الدنيا على جلالة قدره عند الله ورفعة مكانته عند مولاه.
وشواهد ذلك كثيرة، منها ما يرويه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي رفاعة أنه دخل المسجد والنبي e يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله، رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. قال: فأقبل علي رسول الله e، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأُتي بكرسي حسِبتُ قوائمَه حديداً قال: فقعد عليه رسول الله e، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها.
قال النووي: " وفيه تواضع النبي e ورفقه بالمسلمين, وشفقتُه عليهم, وخَفْضُ جناحِه لهم".
ومن صور تواضعه e نهيُه أصحابَه عن إطرائه والمبالغة في مدحه، ففي صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب أن النبي e قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم ، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه)).
ودخل عليه رجل فقال: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله e: ((يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )).
وحين شرع الصحابة في حفر الخندق لم يترفع النبي e عن العمل معهم في الحفرِ ونقلِ التراب، يقول البراء بن مالك: كان النبي e ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول:
لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزِلَنْ سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأُلى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
وحين انطلق الصحابة إلى غزوة بدر، كانوا يتعاقبون، كلُّ ثلاثةِ نفرٍ على بعير، وكان صاحبا النبي e في الركوب عليٌّ وأبو لبابة قال ابن مسعود: وكان إذا كانت عُقْبَة النبي e (أي إذا انتهت نوبة النبي في الركوب) قالا له: اركب حتى نمشي عنك. فيقول لهما e: ((ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما)).
ومن تواضعه e كراهيتُه لكل مظاهر الكِبْر والتميز عن الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يكره ذلك ويمنعهم منه، يقول أنس: (ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله e ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلموا من كراهيته لذلك).
وأيضاً ما كان e يحب أن يقف أحد فوق رأسه كما يُفعل للملوك ، فقد روى مسلم من حديث جابرٍ أن رسول الله e صلى في مرض وفاته قاعداً، وصلينا وراءه .. فالتفت إلينا، فرآنا قياماً ، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم قال: ((إن كدتم آنفاً لتفعلون فِعل فارسَ والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا؛ ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)).
ومن صور تواضعه e وهو أعظم خلق الله قاطبة؛ أنه كان إذا استقبله الرجل فصافحه، لا ينزِع يده من يده حتى يكون الرجل ينزِع، ولا يصرف وجهَه عن وجهِه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفُه، ولم يُرَ مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له).
وكان e يجيب دعوة الداعي، كائناً ما كان طعامُه، يقول e : (لو دعيت إلى كُراع لأجبتُ، ولو أهدي إليّ كُراعٌ لقبِلت). والكُراع ما دون كعب الدابة.
قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حُسنِ خلُقِه e ، وتواضُعِه وجبرِه للقلوب".
ورغم زحمة وقته وشرف منزلته؛ فإنه e ما كان يأنف من كثير مما يأنف منه الناس، فلا يجد حرجاً أن يمشي في حاجة الضعفاء ويسعى في قضاء أمورهم ، ففي سنن النسائي من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله eيكثِر الذكر ويُقِل اللغو ويطيل الصلاة ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة).
وعن أنسِ بن مالكٍ أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة فقال: ((يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضيَ لك حاجتَكِ)). قال أنس: فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها.
لكن تواضعه e ما كان ليمنع هيبته في صدور الناس وهم يقفون بين يديه e، يروي ابن ماجه عن أبي مسعودٍ t أن رجلاً أتى النبي e، فكلمه، فجعل ترْعَد فرائصُه، فقال له e: ((هون عليك، فإني لست بملكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد (اللحم)).
وتواضعه e ليس خلقاً يتزين به أمام الناس، بل هو خُلَّة شريفة لم تفارقه حتى وهو في بيته وبين أهله، فقد سُئلت عائشة: ما كان e يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله تعني: خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)، وفي رواية لأحمد: (كان بشراً من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلِب شاته، ويخدِمُ نفسَه).
ولقد خيره ربه بين أن يكون عبداً رسولاً أو ملِكاً رسولاً ، فاختار أن يكون عبداً رسولاً ، فعن أبي هريرة t أن النبي e حكى عن ملك نزل إليه، فقال: يا محمد، أرسلني إليك ربُك قال: أفملِكاً نبياً يجعلُك أو عبداً رسولاً؟ فقال جبريل: تواضع لربك يا محمد. فقال عليه الصلاة والسلام: ((بل عبداً رسولاً)).
تعبده لربه وخوفه منه
وإن من دلائل نبوته وأمارات صدقه e ما رأينا من تعبده لله تعالى وخشيته منه، ولو كان دعياً لما تعبد لله، ولما أتعب نفسه، ولا ألزمها ضروب العبادة التي قرحت رجليه، بل لكان صنع ما يصنعه سائر الأدعياء من مقارفة الشهوات واستحلال المحرمات ، فكل ما اشتهى الدعي أمراً صيره ديناً وشرعة، ومن ذلك ما فعله مسيلمة الكذاب، فقد أحل لأتباعه الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة ، فتكاليف الشريعة لا يطيقها الأدعياء، لذا سرعان ما يتخلصون منها.
أما النبي e فكان أعبدَ الناس لله وأخوفَهم منه بما عرف من عظمته وقوته، يقول عليه الصلاة والسلام: ((إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما اتقى)).
وشواهد خوف النبي e من الله وتعبده لله كثيرة، منها ما رواه الترمذي من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شِبت؟ فقال e : ((شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت)) .
قال الطيبي: "وذلك لما في هذه السور من أهوال يوم القيامة والمَثُلات النوازل بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه، حتى شبتُ قبل أوانه". فالذي شيب رسول الله ما قرأه في هذه السور من الأهوال التي يرهبها الأتقياء العارفون بربهم، الذين قدروه حق قدره.
وتصف أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وجَلَه e من ربه، فتقول: ما رأيت رسول الله e مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواتِه، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف ذلك في وجهه. فقلت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَه عُرف في وجهك الكراهية! فقال e: ((يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: } هذا عارض ممطرنا { (الأحقاف: 24) )).
وذات ليلة يرى النبي e في منامه أخبار الفتن وهو في بيت أم سلمة ، فيأمر بأن تستيقظ نساؤه، وأن يقمن لقيام الليل فزعاً وتعوذاً مما يأتي من الفتن ، تقول أم سلمة: فاستيقظ رسول الله e فزِعاً، يقول: ((سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات، يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة)).
وفي مرة أخرى جلس النبي e يتلوى في آخر الليل، لا يجد الكرى إلى عينيه سبيلاً، فما الذي أرقه e؟
يجيبنا عبد الله بن عمرو، فيقول: كان رسول الله e نائماً، فوجد تمرة تحت جنبه، فأخذها فأكلها، ثم جعل يتضور من آخر الليل، وفزع لذلك بعض أزواجه فقال: ((إني وجدت تمرة تحت جنبي، فأكلتها، فخشيت أن تكون من تمر الصدقة)). إن الذي أرق النبي e خوفَه أن تكون التمرة التي أكلها من تمر الصدقة.
ودعونا نتأمل بعضاً من عبادة النبي e لربه، لنرى إن كان مثلُ هذا يصدر عن دعي يكذب على الله ويضل الناس باسمه، وحاشاه e أن يكون دعياً، فما من دعي يكذب على ربه يجهد نفسه بالعبادة له.
تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حال النبي e في ليله، فتقول: كان النبي*e يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال e: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)).
وتصف عائشة رضي الله عنها صفة صلاته e، فتقول: (كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدرَ ما يقرأ أحدُكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة).
ويصف علي t حاله eفي يوم بدر حين تعب الصحابة وأسلموا أعينهم للنوم، فيقول: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله e تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح).
وتكرر بكاؤه e وهو يتضرع بين يدي ربه عارفاً قدرَه وراجياً فضله، يقول عبد الله بن الشِّخِّير t قال: (أتيت رسول الله e وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجَل [أي القِدر] من البكاء).
لقد كان eكما وصفه ربه } إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه { (المزمل:20)، فهل سمعت الدنيا عن مدع للنبوة يقوم نصف ليله يتضرع لربه ويبكي بين يديه.
وأما صومه e ، فكان يداوم على صيام يومي الإثنين والخميس تقرباً إلى ربه وابتغاء رضاه، فعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال: ((تُعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) .
ولم يكن صيامه هذا فحسب ، لا بل كان e يصوم الأيام المتتابعة ، يقول أنس t: (كان رسول الله* e يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه شيئاً، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تَشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته).
وما كان e يفوِّتُ على نفسه الصوم في أيام الصيف الهواجر، يبتغي في ذلك الأجر من ربه، يقول أبو الدرداء t : (كنا مع رسول الله e في سفر، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما منا صائم إلا رسولُ الله e وعبدُ الله بنُ رواحة).
وهكذا فإن النبي e لم يتوانى عن عبادة ربه، بل امتثل أمر ربه ومولاه: } واعبد ربك حتى يأتيك اليقين { (الحجر: 99)، ولو كان دعياً لأراح نفسه وأحبابه من جهد القيام في الليل وتفطُرِ الأقدام، ومن الصيام في الهواجر، لكن هيهات، كيف يريح نفسه وربه يأمره } فإذا فرغت فانصب % وإلى ربك فارغب { (الشرح: 7-8).
آخر الزمان
ويروي الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثُر المال، ويفيضَ حتى يَخرجَ الرجلُ بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعودَ أرض العرب مروجاً وأنهاراً)).
ولسوف نخص هذه الحلقة للحديث عن عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً، فالبشارة النبوية تضمنت خبرين : أولُهما أن أرضَ العرب أي جزيرةُ العرب، كانت مروجاً وأنهاراً، أي كانت خضراءَ كثيرةَ المياه، والثاني: أنها ستعود كذلك قبل قيام الساعة.
ومن المعلوم أن جزيرة العرب تنعدم الأنهار فيها اليوم، وتقل المساحات الخضراء في ربوعها، بينما يخبر الحديث أنها كانت وسترجع إلى غير هذه الحال.
قال الدكتور يوسف الوابل في كتابه "أشراط الساعة": "وفي هذا الحديث دلالة على أن أرض العرب كانت مروجاً وأنهاراً ، وأنها ستعود كما كانت".
وحين تحدث القرآن عن قوم نبي الله هود، قومِ عاد الذين عاشوا في جنوب جزيرة العرب وقريباً من صحراء الربع الخالي، قال ممتناً عليهم: ] واتَّقُوا الذَّي أَمَدَّكُم بِمَا تَعلَمُونَ # أَمَدَّكُم بِأَنعَامٍ وَبَنيِن # وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ (الشعراء: 132-134)، فذكر أن بلادهم المقفرةَ اليومَ كانت مروجاً وبساتين كثيرة المياه.
وليست بلادُ عاد الوحيدةَ من المدائن القديمة التي دفنتها ذرات رمال الصحراء، التي أغرقت بكثبانها الكثير من المدن التي كانت عامرة في غابر الأيام، كمدينة الفاو ومدينة أوبار المكتشفَتين حديثاً في جنوب جزيرة العرب، ومثل هذه المدن لا تُشاد في صحراءَ جرداء، بل في واحة خضراءَ كثيرةِ المياه.
وهذا الخبر نجد مصداقه أيضاً عند علماء الجولوجيا والآثار، حيث يؤكدون أن جزيرة العرب كانت قبل عشرين ألف سنة رقعة خضراء كثيرة المياه والأنهار، وفيها الكثير من أنواع الحيوانات التي تتواجد عادة في المراعي والغابات، كما شهد بذلك ما بقي من آثارهم.
كما أكد صدقَ هذا الخبر النبوي الدكتور هال ماكلور في أطروحته للدكتوراه والتي كانت عن الربع الخالي، فذكر أن البحيراتِ كانت تغطي هذه المنطقة الصحراوية خلال العصور المطيرة التي انقضت قبل ثمانية عشرَ ألفَ سنة.
ووافقه العالمُ الجيولوجي الألماني الشهير البروفسور الفريد كرونر في مؤتمر علمي أقيم في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية.
وأضاف بأن عود جزيرة العرب إلى تلك الحال مسألة معروفة عند العلماء، وأنها حقيقة من الحقائق العلمية، التي يوشك أن تكون، وقال: هذه حقيقة لا مفر منها.
ولما أُخبِر بقول النبي e ((وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)) تعجب، وقال: "هذا لا بد أنه جاء من فوق" أي من عند الله، وقال: "لقد أدهشتني الحقائق العلمية التي رأيتها في القرآن والسنة والتي لم نتمكن من التدليل عليها إلا في الآونة الأخيرة بالطرق العلمية الحديثة .. الأمر الذي يدل على أن النبي محمداً لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علوي".
كما نذكر بما حملته إلينا الأخبار قريباً عن تصوير جزيرة العرب من الفضاء، واكتشاف العلماء من خلال هذه الصور أنها تسبح فوق نهر من المياه الجوفية، يمتد من غرب الجزيرة العربية إلى شرقها, ناحية الكويت, حيث أوضحت الصور أن مساحةً شاسعة من شمال غرب الكويت عبارة عن دلتا لهذا النهر العملاق .
فمن الذي أخبر محمداً e بحال جزيرة العرب قبل آلاف السنين، ومن الذي أنبأه بما سيكون عليه حالها في قابل الأيام، إنه وحي الله الذي يشهد له بالرسالة e.
وقد لاحت تباشير هذه البشارة بعود الجزيرة أنهاراً وجناناً بما بدأ ينتشر في جنباتها من مساحاتٍ خضراءَ في كافة أرجائها، ومن توفر المياه في جنباتها التي كانت مناطق عزيزة المياه.
سادس عشر : أشراط الساعة

وإن منها ما أخبر e انه يكون بين يدي الساعة، ونراه أو نرى بعضه في حياتنا اليوم، وهو ما يسميه العلماء بأشراط الساعة الصغرى، وهذا الحاضر - الذي نراه اليوم - كان غيباً أطلع الله عليه نبيه ، ليكون شاهداً على نبوته ورسالته.
يروي الشيخان من حديث أنسِ بنِ مالك t أنه قال: لأحدثنكم حديثاً لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله e يقول: ((من أشراط الساعة أن يقِلَّ العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء ويقِلَّ الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)).
وزاد في رواية في الصحيحين: ((ويُشربَ الخمر ويَظهرَ الزنا)).
وفي رواية أخرى: ((وتكثُرَ الزلازل، ويتقاربَ الزمان، وتَظهرَ الفتن، ويكثُرَ الهرْج، وهو القتل)).
فهذه ست علامات تكون بين يدي الساعة.
أولها: ظهور الجهل وقلة العلم الشرعي بين الناس، وذلك لقبض العلماء وظهور الرؤوس الجهال الذين يفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، وقد قال رسول الله e : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يُقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَترُك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)).
قال ابن بطال: "هذا كلّه إخبار من النبي بأشراط الساعة، وقد رأينا هذه الأشراط عياناً وأدركناها، فقد نَقص العلم وظهر الجهل".
وتعقبه ابن حجر فقال: "الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله (أي العلم)، والمراد من الحديث استحكامُ ذلك، حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر .. فلا يبقى إلا الجهل الصِرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك".
ولئن كان ذلك في زمن ابن بطال ثم ابن حجر فإنه في زماننا أظهر وأبين، ولا يخفى هذا على عاقل يرى ما رُزئنا به اليوم من موت للعلماء، وتصدر الأدعياء.
ويخبر النبي r أنه يأتي على الناس زمان يتدافع الناس إمامة المسلمين بالصلاة، لقلة العلم حينذاك، ولأن كثيراً من المسلمين لا يحسن شروطها وأداءها، قال r: ((إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد، لا يجدون إماماً يصلي بهم)).
وأما العلامة الثانية من علامات النبوة التي أخبر بها r فهي شرب الخمر، وقد أنبأ r أن الذين سيشربونها؛ يسمونها بغير اسمها، وأنهم يستحلونها، ولا يرون أنها الخمر التي حرمها الله، فقد روى أصحاب السنن عن النبي r قوله: (( يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها))، وزارد في رواية الدارمي: ((فيستحلونها)).
وبيانُه فيما أخرجه البخاري عن النبي r أنه قال: ((ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف)).
وقد كان هذا – وللأسف - عند بعض جهال المسلمين، غفلة منهم وجهلاً، فتعاطوا هذه المحرمات، لما رأوها سميت بالمنشطات أو المخدِّرات أو المشروبات الروحية، والحق أنها جميعاً خمر حرمها الله ولعن شاربها وبائعها وصانعها، وقد قال عمر t على المنبر وهو يخطب المسلمين: (أما بعد، نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل)، أي غطاه، فكل ذلك خمر.
قال القرطبي: " في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع؛ فوقعت، خصوصاً في هذه الأزمان".
وأما ثالث أشراط الساعة المذكورة في الأحاديث آنفاً؛ فهو انتشارُ الزنا وشيوعُه بين الناس، وهو أمر يكثر - عياذاً بالله – عند غير المسلمين، وهذه الشناعة استقبحتها الأمم طوال تاريخ الإنسانية، وأصبحت الآن تعرض في وسائل التقنية الحديثة، وعمدت بعض الدول إلى تقنينها، وأجازتها قوانينها وتشريعاتها، بل جعلها بعضهم ضرباً من ضروب التجارة والكسب.
ورابع الأشراط التي ذكرها النبي r هو كثرة الفتن وما يستتبعها من كثرة الهرج الذي هو القتل، وقد أبانه ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي r قال: ((والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتِل)).
ونجد مصداق هذه النبوءة النبوية في كثرة الحروب والفتن التي يقتل فيها الأبرياء، فلا يدري القاتل من يقتُل، ولا لماذا يقتُل، ومثلُه المقتول. أجارنا الله من الفتن.
وهذا يفسر لنا العلامة الخامسة من علامات النبوة، والواردة في قول النبي r : ((وتكثرَ النساء ويقلَ الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد))، فإن الرجال هم وقود الحروب والفتن قبل غيرهم.
قال ابن حجر: "قيل سببه أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء ... والظاهر أنها علامة محضة لا لسبب آخر، بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث ".
وإلى صدق هذه النبوءة وقرب تحققها تشير الإحصاءات العالمية، حيث يصل تصل نسبة الذكور حسب إحصاءات الأمم المتحدة عام 2002م إلى 48%، وتتوقع دائرة الإحصاءات الأمريكية أن تصل نسبة الذكور عام 2100م إلى 38% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يؤكد أن ما أخبر به e في طريقه إلى التحقق.
ومما أخبر r أنه يكون بين يدي الساعة تقارب الزمان، فقد قال r: ((لا تقوم الساعة حتى يُقبضَ العلم، وتكثُرَ الزلازل، ويتقاربَ الزمان، وتظهرَ الفتن ..)).
وفي حديث أبي هريرة أن النبي r قال: ((يتقاربُ الزمان، ويَنقصُ العمل، ويُلقى الشح)).
قال التوربشتيُ : "يحمل ذلك على قلة بركة الزمان، وذهابِ فائدته في كل مكان، أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد وشُغْلِ قلبهم بالفتن العظام؛ لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم".
وقال الخطابي: "معناه قِصَر زمان الأعمار وقلة البركة فيها .. وقيل: قِصر مدة هذه الأيام والليالي؛ على ما روي أن الزمان يتقارب حتى يكون السنة كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجمعةُ كاليوم، واليومُ كالساعة، والساعةُ كاحتراق السَعَفَة".
وهكذا فقد حمل العلماء الحديث على ثلاثة معانٍ: قصرُ الأعمار أو ذهابُ بركتها أو تقاربُ الزمان حقيقة.
فأما المعنيان الأولان فهما مشاهدان بكثرة بين الناس اليوم، وبخاصة ذهاب بركة العمر، حيث تنقضي السنة، والواحد منا يظنها شهراً، وينقضي الشهر، ولا نحسبه إلا أسبوعاً.
وأما المعنى الثالث الذي يقضي بتناقص الزمان حقيقة، فلعله يكون قبيل الساعة، حين يختل الكثير مما نعهده من نواميس الكون التي جعلها الله، فتشرقُ الشمس من مغربها، وتتكلمُ السباع، إلى غيره مما هو خارج عن مألوفنا في سنن الله الكونية.
ومن أشراط الساعة التي تنبأ النبي r أنها تكون ؛ كثرةُ الزلازل ونقارب أوقاتها، وهو أمر يعجب المرء لكثرته في هذه الأيام، وهو في ازدياد مستمر، حتى لا يكاد يمضي الشهر إلا وتهتز الأرض هنا أو هناك، فمن الذي أعلم النبي r بهذا الغيب قبل ألف وأربعِ مائةٍ سنة؟ إنه الله علام الغيوب.
ومن علامات الساعة ودلائل النبوة كثرة الشح بين الناس لقوله r : ((ويلقى الشح)).
قال ابن حجر: " فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم، حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد وجود أصل الشح؛ لأنه لم يزل موجوداً".
وهذا كله قد كثر في أهل الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن أشراط الساعة التي تنبأ النبي r أنها تكون بين يدي الساعة، ونراها تكثر في حياة الناس اليوم قوله r : ((يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام)).
وقال ابن التين: " أخبر النبي r بهذا تحذيراً من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نبوته لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذم من جهة التسوية بين الأمرين، وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذموماً من حيث هو".
وروى الإمام أحمد أمراً آخرَ تنبأ النبي r أنه يكون في آخر الزمان، ونراه يكثر في أيامنا، ألا وهو أن يخص المرء بسلامه معارِفَه دون بقية المسلمين، فعن عبد الله بن مسعود t أن رسول الله r قال: ((إن من أشراط الساعة أن يسلّم الرجل على الرجل، لا يُسلم عليه إلا للمعرفة)).
وفي رواية أخرى أنه r قال: ((إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم)).
وهكذا فإخبار النبي r عما يصنعه اليوم كثير من الناس، وهو تسليم المرء على خاصته من أقرباء وأصدقاء دون بقية المسلمين الذين لا يعرفهم، هذا الإخبار منه r علامة على نبوته، لأنه إخبار بغيب لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه.
وقد تضمن الحديث السالف أموراً أخرى كثرت في دنيا الناس، وبخاصة قطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان الحق.
كما ذكر الحديث أمراً عجباً حين أخبر عن فشو التجارة ومشاركة المرأة زوجها فيها، وهو ما يكثر في زماننا.
وأعجب منه قوله r : (( وظهور القلم))، أي تعلم الناس الكتابة، وهو أمر لم يتحقق إلا في هذا القرن، حيث تراجعت نِسب الأمية بين شعوب، وهي في طريقها إلى الزوال، وبخاصة مع تيسر سبل التعليم وتقدم وسائط الاتصالات.
والسؤال ، كيف عرف النبي r قبل أربعة عشر قرناً أن الكتابة تفشو بين الناس، لقد أنبأ به في عصر كان عدد الكتبة فيه لا يكاد يتجاوز الألف. إنه علم آخر من أعلام النبوة.
ومن براهين النبوة المتعلقة بأشراط الساعة قوله r: ((من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)).
قال أنس: (يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً).
ولما تيقن ابن عباس بتحقق هذا الخبر النبوي قال: (لتزخرفُنها كما زخرفت اليهود والنصارى).
وهكذا فإن وقوع ما أخبر النبي r بعد مضي هذه القرون من تنبؤه بهذه الأحداث وتلك المظاهر، إن ذلك لبرهان صدق ودليل حق على نبوة النبي r.
قائمة المصادر والمراجع
* دلائل النبوة، سعيد عبد القادر باشنفر، ط1، دار ابن حزم، 1424هـ.
* أعلام النبوة، أبو الحسن علي الماوردي، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت،1407هـ.